وان أردتم بالجهة أمرا يوجب مباينة الخالق للمخلوق وعلوه علي خلقه واستواءه علي عرشه فنفيكم بهذا المعني باطل وتسميته جهة وقلتم منزه عن الجهات وسميتم العرش حيزا وقلتم ليس بمتحيز وسميتم الصفات أعراضا وقلتم الرب منزه عن الأعراض، وسميتم كلامه بمشيئته ونزوله الي سماء الدنيا ومحبيئه يوم القيامة لفصل القضاء بمشيئته أرادته المقارنة لمرادها وإدراكه المقارن لوجود المدرك وغضبه إذا عصي ورضاه إذا أطيع وفرحه إذا اتاب إليه العباد ونداءه لموسى حين أتى الشجرة ونداءه للأبوين حين أكلا من الشجرة ونداءه لعباده يوم القيامة ومحبته لمن كان يبغضه حال كفره ثم صار يحبه بعد إيمانه وربو بيته التي هو كل يوم في شان"حوادث"وقلتم هو منزه عن حلول الحوادث وحقيقة هذا التنزيه انه متنزه عن الوجود وعن الربوبية وعن الملك وعن كونه فعالا لما يريد بل عن الحياة والقومية.
فانظر ماذا تحت تنزيه المعطلة النفاة بقولهم ليس بجسم ولا بجوهر ولا مركب ولا تقوم به الأعراض لا يوصف بالإبغاض ولا يفعل بالأغراض ولا تحله الحوادث ولا تحيط به الجهات ولا يقال في حقه أين وليس بمتحيز كيف كسوا حقائق أسمائه وصفاته وعلوه علي خلقه واستوائه علي عرشه وتكليمه لخلقه ورؤيتهم له بالأبصار في دار كرامته هذه الألفاظ ثم توسلوا الي نفيها بواسطتها وكفروا وضللوا من أتثبتها واستحلوا منه ما لم يستحلوه من أعداء الله من اليهود والنصارى، فالله الموعد واليه التحاكم، وبين يديه التخاصم.
نحن وإياهم نموت ولا افلح ... يوم الحساب من ندما انتهي
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في رسالته الي عبد الله بن سحيم وقد طلب منه أن يذكر له شيئا من معني كتاب الموليس فقال رحمه الله في الجواب بعد كلام له وذلك أن كتابه مشتمل علي الكلام في ثلاثة أنواع من العلوم (الاول) علم الأسماء والصفات الذي يسمي علم آصال الدين ويسمي أيضا العقائد (والثاني) الكلام علي التوحيد والشرك (والثالث) الاقتداء بأهل العلم واتباع الأدلة وترك ذلك.
أما الاول فانه أنكر علي أهل الوشم إنكارهم علي من قال ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض وهذا الإنكار جمع بين اثنين إحداهما انه لم يفهم كلام ابن عيدان وصاحبه (الثانية) انه لم يفهم صورة المسئلة وذلك أن مذهب الأمام احمد وغيره من السلف انهم لا يتكلمون في هذا النوع الا بما تكلم به الله ورسوله فما أثبته الله لنفسه أثبته رسوله أثبتوه مثل الفوقية والاستواء والكلام المجيء وغير ذلك وما نفاه الله عن نفسه ونفاه عنه رسوله صلي الله عليه وسلم نفوه مثل المثل والند والسمي وغير ذلك، واما ما لا يوجد عن الله ورسوله إثباته ولا نفيه مثل الجوهر والعرض والجهة وغير ذلك لا يثبتونه فمن نفاه مثل صاحب الخطبة التي أنكرها ابن عبدان وصاحبه فهو عند احمد والسلف مبتدع، ومن أثبته مثل هشام بن الحكم وغيره فهو عندهم مبتدع والواجب عندهم السكوت عن هذا النوع اقتداء بالنبي صلي الله عليه وسلم واصحابه - الي أن قال وأنا اذكر لك كلام الحنابلة في هذه المسئلة.
قال الشيخ تقي الدين بعد كلام له علي من قال انه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ككلام صاحب الخطبة قال رحمه الله تعالى: فهذه الألفاظ لا يطلق إثباتها ولا نفيها كلفظ الجوهر والجسم والتحيز والجهة ونحو ذلك من الألفاظ ولهذا لما سئل ابن سريج عن التوحيد فذكر توحيد المسلمين وقال واما توحيد أهل الباطل فهو الخوض في الجواهر والأعراض وانما بعث الرسول صلي الله عليه وسلم بإنكار ذلك وكلام السلف والائمة في ذم الكلام و أهله مبسوط في غير هذا الموضع. والمقصود أن الأئمة كأحمد وغيره إذا ذكر لهم أهل البدع الألفاظ المجملة كلفظ الجسم والجوهر والحيز لم يوافقوهم لا علي إطلاق الإثبات ولا علي إطلاق النفي انتهي كلام الشيخ تقي الدين.
إذا تدبرت هذا عرفت أن إنكار ابن عبدان وصاحبه علي الخطيب الكلام في هذا هو عين الصواب وقد اتبعا في ذلك أمامهما احمد بن حنبل وغيره في إنكارهم ذلك علي المبتدعة ففهم صاحبكم انهما يريدان إثبات ضد ذلك وان الله جسم وكذا وكذا تعالي الله علي ذلك، وظن أيضا أن عقيدة أهل السنة هي نفي انه لا جسم ولا جوهر ولا كذا ولا كذا وقد تبين لكم الصواب أن عقيدة أهل السنة هي السكوت، من اثبت بدعوة، ومن نفي بدعوة، فالذي يقول ليس بجسم ولا ولا هم الجهمية والمعتزلة والذين يثبتون ذلك هو هشام واصحابه والسلف بريئون من الجميع من اثبت بدعوة ومن نفي بدعوة، فالموليس لم يفهم كلام الأحياء ولا كلام الأموات، وجعل النفي الذي هو مذهب الجهمية والمعتزلة مذهب