الصفحة 5 من 29

بالعقلاء وقد قال اعلم الخلق به"أعوذ برضاك من سخطك"الحديث - قال واما استعاذته صلي الله عليه وسلم به منه باعتبارين مختلفين فان الصفة المستعاذ بها والصفة المستعاذ منها صفتان لموصوف واحد ورب واحد فالمستعيذ بإحدى الصفتين من الأخرى مستعيذ بالموصوف بهما منه - وان أردتم بالجسم ماله وجه ويدان وسمع وبصر فنحن نؤمن بوجه ربنا الأعلى وبيديه وبسمعه وبصره وغير ذلك من صفاته التي أطلقها علي نفسه؛ وان أردتم بالجسم ما يكون فوق غيره ومستويا علي غيره فهو سبحانه فوق عباده مستو علي عرشه.

وكذلك أن أردتم بالتشبيه والتركيب هذه المعاني التي دل عليها الوحي والعقل فنفيكم لها بهذه الألقاب المنكرة خطا في اللفظ والمعني وجناية علي ألفاظ الوحي أما الخطأ اللفظي فتسميتكم الموصوف بذلك جسما مركبا مؤلفا مشبها بغيره وتسميتكم هذه الصفات تركيبا وتجسيما وتشبيها فكذيتم علي القرآن وعلي الرسول وعلي اللغة ووضعتم لصفاته ألفاظ منكم بدأت واليكم تعود، واما خطأكم في المعني فنفيكم وتعطيلكم لصفات كماله بواسطة هذه التسمية والألقاب فنفيتم المعني الحق وسميتموه بالاسم المنكر.

الي أن قال: وكذلك إذا قال الفرعوني لو كان علي السموات رب او علي العرش اله لكان مركبا، قيل له لفظ المركب في اللغة هو الذي ركبة غيره في محله كقوله تعالي (في أي صورة ما شاء ركبك) وقولهم ركبت الخشبة والباب وما يركب من أخلاط أجزاء بحيث كانت أجزاؤه مفرقة فاجتمعت وركبت حتى صار شيئا واحد كقولهم ركبت الدواء من كذا وكذا وان أردتم بقولكم لو كان فوق العرش كان مركبا هذا التركيب المعهود وانه كان متفرقا فاجتمع فهو كذب وفرية وبهت علي الله وعلي الشرع وعلي العقل، وان أردتم انه لو كان فوق العرش لكان عاليا علي خلقة بائنا منهم مستويا علي عرشه ليس فوقه شيء فهذا المعني حق فكأنك قلت لو كان فوق العرش فنفيت الشيء بتغبير العبارة وقبلها الي عبارة أخرى وهذا شانكم في اكثر مطالبكم.

وان أردتم بقولكم كان مركبا انه يتميز منه شيء عن شيء فقد وصفته أنت بصفات يتميز بعضها من بعض فهل كان عندك هذا تركيبا؟ فان قلت هذا لا يقال لمن اثبت شيئا من الصفات فأما أنا فلا اثبت له صفه واحدة فرارا من التركيب، قيل لك العقل لم يدل علي نفي المعني الذي سميته أنت مركبا وقد دل الوحي والعقل والفطرة علي ثبوته أتنفيه بمجرد تسميتك الباطلة؟ فان التركيب يطلق وير أدبه خمسة معان:

تركيب الذات من الوجود والماهية عند من يجعل وجودها زائدا علي ماهيتها فإذا نفيت هذا جعلته وجودا مطلقا إنما هو في الأذهان لا وجود له في الأعيان.

(الثاني) تركيب الماهية من الذات والصفات فإذا نفيت هذا التركيب جعلته ذاتا مجردة عن كل وصف لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا يقدر ولا يريد ولا حياة له ولا مشيئة ولا صفة أصلا فكل ذات في المخلوقات من هذه الذات، فاستفدت بهذا التركيب كفرد بالله وجحدك لذاته ولصفاته وأفعاله.

(الثالث) تركيب الماهية الجسيمية من الهيولى والصورة كما يقوله الفلاسفة.

(الرابع) التركيب من الجواهر الفردة كما يقوله كثير من أهل الكلام.

(الخامس) تركيب الماهية من أجزاء كانت متفرقة فاجتمعت وتركبت فان أردت بقولك لو كان فوق العرش لكان مركبا كما يدعيه الفلاسفة والمتكلمون قيل لك جمهور العقلاء عندهم أن الأجسام المحدثة المخلوقة ليست مركبة لا من هذا ولا من هذا فلو كان فوق العرش جسم مخلوق محدث لم يلزم أن يكون مركبا بهذا الاعتبار فكيف ذلك في حق خالق الفرد والمركب الذي يجمع المتفرق ويفرق المجتمع ويؤلف بين الأشياء فيركبها كما يشاء؟ والعقل إنما دل علي إثبات اله واحد ورب واحد لا شريك له ولا شبيه له لم يلد ولم يولد، ولم يدل علي أن ذلك الرب الواحد لا اسم له ولا صفة ولا وجه ولا يدين ولا هو فوق خلقه ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل منه شيء، فدعوى ذلك علي العقل كذب صريح عليه كما هي كذب صريح علي الوحي وكذلك قولهم ننزهه عن الجهة أن أردتم انه منزه عن جهة وجودية تحيط به وتحويه إحاطة الظرف بالمظروف فنعم هو اعظم من ذلك واكبر واعلي، ولكن لا يلزم من كونه فوق عرشه هذا المعني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت