الصفحة 4 من 29

مرادهم انه لا يكون محلا للتغيرات والإستحالات ونحو ذلك من الأحداث التي تحدث للمخلوقين فتحيلهم وتفسدهم، وهذا المعني صحيح ولكن مقصو دهم بذلك انه ليس له فعل اختياري يقوم بنفسه ولا له كلام ولا فعل يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته وانه لا يقدر علي استواء؟ أو نزول أو آتيان أو مجيء، وأن المخلوقات التي خلقها الله لم يكن منه عند خلقها فعل أصلا بل عين المخلوقات هي الفعل ليس هناك فعل ومفعول وخلق ومخلوق بل المخلوق والمفعول عين الفعل ونحو ذلك انتهي.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة) ويقولون نحن ننزه الله تعالى عن الأعراض والأغراض والابعاض والحدود والجهات وحلول الحوادث، فيسمع الغر المخدوع هذه الألفاظ فيتوهم منها انهم ينزهون الله عما يفهم من معانيها عند الإطلاق من العيوب والنقائص والحاجة فلا يشك انهم يمجدونه ويعظمونه، ويكشف الناقد البصير ما تحت هذه الألفاظ فيري تحتها الإلحاد وتكذيب الرسل وتعطيل الرب تعالي عما يستحقة من كماله - فننزيههم عن الأعراض هو جحد صفاته كسمعه وبصره وحياته وعلمه وكلامه أرادته فان هذه الأعراض له عندهم لا تقوم الا بجسم فلو كان متصفلها لكان جسما وكانت أعراضا له وهو منزه عن الأعراض.

وأما الاغراض فهي الغاية والحكمة التي لاجلها يخلق ويفعل ويأمر وينهي ويثبت ويعاقب وهي الغايات المحمودة المطلوبة من أمره ونهيه وفعله فيسمونها أغراضا منه وعللا ينزهونه عنها.

وأما الإبغاض فمرادهم بتنزيهه عنها انه ليس له رجه ولا يدان ولا يمسك السموات علي إصبع والأرض علي إصبع والشجر علي إصبع والماء علي إصبع فان ذلك كله إبغاض والله منزه عن الإبغاض.

وأما الحدود والجهات فمرادهم بتنزيهه عنها انه ليس فوق السموات رب العرش إله ولا يشار إليه بالأصابع الي فوق كما أشار إليه اعلم الخلق به ولا ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء ولا تعرج الملائكة والروح إليه ولا رفع المسيح إليه ولا عرج برسوله محمد صلي الله عليه وسلم إليه اذ لو كانوا كذلك لزم إثبات الحدود والجهات وهو منزه عن ذلك.

وأما حلول الحوادث فيريدون به انه لا يتكلم بقدرته ومشيئته ولا ينزل كل ليلة الى سماء الدنيا ولا يأتي يوم القيامة ولا يجيء ولا يغضب بعد أن كان راضيا ولا يرضي بعد أن كان غضبانا ولا يقوم به فعل البتة ولا أمر مجدد بعد أن لم يكن مريدا له فلا يقول له كن حقيقة ولا استوي علي عرشه بعد أن لم يكن مستويا ولا يغضب يوم القيامة غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولا ينادي عباده يوم القيامة بعد أن لم يكن مناديا لهم ولا يقوم للمصلى إذا قال (الحمد لله رب العالمين) حمدني عبدي فإذا قال (الرحمن الرحيم) قال اثني علي عبدي فإذا قال (مالك يوم الدين) قال مجدني عبدي، فان هذه كلها حوادث وهو منزه عن حلول الحوادث.

الي أن قال واعلم أن لفظ الجسم لم ينطق به الوحي إثباتا فيكون له الإثبات ولا نفيا فيكون له النفي فمن اطلقة نفيا وإثباتا سئل عما أراد فان قال أردت بالجسم معناه في لغة العرب وهو البدن الكثيف الذي لا يسمي في اللغة جسم سواه فلا يقال للهواء جسم لغة ولا للنار ولا للماء فهذه اللغة وكتبها بين أظهرنا فهذا المعني منفي عن الله عقلا وسمعا.

وإن ارتم به المركب من المادة والصور والمركب من الجواهر الفردة فهذا منفي عن الله قطعا والصواب نفيه عن الممكنات أيضا فليس جسم المخلوق من هذا ولا من هذا، وان ارتم بالجسم ما يوصف بالصفات ويري بالأبصار ويتكلم ويكلم ويسمع ويبصر ويرضي ويغضب فهذه المعاني ثابتة لله تعالي وهو موصوف بها فلا ننفيها عنه بتسميتكم للموصوف بها جسما - الي أن قال: وان ارتم بالجسم ما يشار إليه إشارة حسية فقد أشار اعرف الخلق به بإصبعه رافعا بها الي السماء بمشهد الجمع الأعظم مستشهدا له لا للقبلة وان أردتم بالجسم ما يقال له أين فقد سال اعلم الخلق به عنه باين منبها علي علوه علي عرشه وسمع السؤال باين و أجاب عنه ولم يقل هذا السؤال إنما يكون عن الجسم وانه ليس بجسم، وان أردتم بالجسم ما يلحقه (من) و (الي) فقد نزل جبرائيل من عنده وعرج برسوله إليه، واليه يصعد الكلام الطيب، وعبده المسيح رفع إليه. وان أردتم بالجسم ما يتميز منه أمر غيره أمر سبحانه موصوف بصفات الكمال جميعا من السمع والبصر والعلم والقدرة والحياة وهذه صفات متميزة متغايرة ومن قال إنها صفة واحدة فهو بالمجانين أشبه منه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت