الصفحة 20 من 29

وكذلك ما قاله الشارح بعد هذا قال سفيان بن عيينة كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عنه ليس لا حد أن يفسره إلا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فأقول قد تقدم الكلام على ذلك وإنما مقصود السلف بذلك تأويله وصرفه عن ظاهره. وأما قوله وسمع الامام أحمد رحمه الله شخصًا يروي حديث النزول ويقول ينزل بغير حركة ولا انتقال، ولا تغير حال، فانكر الامام أحمد عليه ذلك وقال قل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كان اغير على ربه منك. فاقول نعم قد كان أحمد ينكر هذه الألفاظ التي لم يأت بها كتاب ولا سنة ولا نطق بها أصحاب رسول الله عليه وسلم ولا من بعدهم من التابعين وكان يحب السكوت عن ذلك كما قدمنا ذلك عنه في الحد.

ولأئمة السلف ومنهم أحمد كلام في الحركة والانتقال فنذكر من ذلك ما تبين به صحة مذهب السلف وبطلان ما خالفهم من كلام أهل البدع. قال شيخ الاسلام ابن تيمية قدس الله روحه في العقل والنقل بعد كلام طويل قال فيه: والفعل صفة كمال لا صفة نقص كالكلام والقدرة وعدم الفعل صفة نقص كعدم الكلام وعدم القدرة فدل العقل على صحة ما دل عليه الشرع وهو المطلوب. وكان الناس قبل ابي محمد بن كلاب صنفين فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا.

وهذا فاثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها ووافقه على ذلك ابو العباس القلانسي وأبو الحسن الأشعري وغيرهما وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب ولهذا أمر أحمد بهجره وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب واتباعه ثم قيل عن الحادث أنه رجع عن قوله وقد ذكر الحارث في كتاب فهم القرآن عن أهل السنة في هذه المسألة قولين ورجع قول ابن كلاب وذكر ذلك في قوله تعالى (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) وأمثال ذلك.

وأئمة السنة والحديث على إثبات النوعين وهو الذي ذكره عنهم من نقل مذهبهم كحرب الكرمائي وعثمان بن سعيد الدرامي وغيرهما بل صرح هؤلاء بلفظ الحركة وان ذلك هو مذهب ائمة السلف والحديث من المتقدمين والمتأخرين وذكر حرب الكرمائي قول من لقيه من أئمة السلف كأحمد بن حنبل واسحق بن راهوية وعبدالله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور وقال عثمان بن سعيد وغيره: أن الحركة من لوازم الحياة فكل حي متحرك وجعلوا نفي هذا من أقوال الجهمية نفاة الصفات الذين اتفق السلف والأئمة على تضليلهم وتبديعهم، وطائفة أخرى من السلفين كنعيم بن حماد الخزاعي والبخاري صاحب الصحيح وأبي بكر بن خزيمة وغيرهم كأبي عمر بن عبد البر وأمثاله يثبتون المعنى الذي يثبته هؤلاء ويسمون ذلك فعلًا ونحوه لكن يمنعون عن إطلاق لفظ الحركة لكونه غير مأثور وأصحاب أحمد منهم من يوافق هؤلاء كأبي بكر عبد العزيز وأبي عبدالله بن بطة وأمثالهما ومنهم من يوافق الأولين كأبي عبد الله بن حامد وأمثاله - ثم ذكر كلامًا - طويلًا إلى أن قال: وقال أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله المعروفة التي نقلها عن أحمد وإسحق وغيرهما وذكر معهما من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة وغيرهم ما ذكر - إلى أن قال: وادركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب أوطعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج من الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق وهو مذهب أحمد وإسحق وإبراهيم بن مخلد وعبدالله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم وذكر الكلام في الإيمان والقدر والوعيد والإمامة وما أخبر به الرسول من اشراط الساعة وأمر البرزخ والقيامة وغير ذلك إلى أن قال: وهو سبحانه بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان ولله عرش وللعرش حملة يحملونه، وله حد الله أعلم بحده والله على عرشه عز ذكره وتعالى جده ولا إله غيره والله تعالى سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو رقيب لا يغفل، يتكلم ويتحرك ويسمع ويبصر وينظر ويقبضض ويبسط ويحب ويكره ويبغض ويرضى ويسخط ويغضب ويرحم ويعفو ويغفر ويعطي ويمنع وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء وكما شاء (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) إلى أن قال: ولم يزل منكلما عالما (فتبارك الله أحسن الخالقين) اهـ.

والمقصود أن ذكر عن أئمة السلف في أفعال الله الاختيارية التي تتعلق بمشيئته وقدرته الحركة فليس لنا أن نعدل عن قولهم ونأخذ بمذاهب أهل البدع وآرائهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت