بالصانع والفاعل والمتقن وغير ذلك من الأسماء التي أطلق أفعالها على نفسه فباب الأفعال أوسع من باب الاسماء وقد أخطأ اقبح خطأ من اشتق له من كل فعل اسمًا وبلغ بأسمائه زيادة على الالف فسماه الماكر والخادع والفاتن والكائد ونحو ذلك وكذلك باب الاخبار عنه بالاسم أوسع من تسميته به فإنه يخبر عنه بأنه شيء موجود ومذكور ومعلوم ومراد ولا يسمي بذلك انتهى.
فإذا تبين لك هذا فأعلم أن من أدخل اسم الصورة في أسماء الله أخطأ أقبح خطأ لأن باب الأفعال والاخبار عن الله أوسع من باب الاسماء ولفظ الصورة لم يذكره أحد من علماء أهل السنة والجماعة في عقائدهم وإنما ذكر ذلك بعض من ينسب إلى أهل السنة فمن اشتق من أفعال الله سبحانه وتعالى أسماء وأوضافًا لم يذكرها الله ولا رسوله إلا على سبيل الاخبار فنقول في ذلك ما قاله الله ورسوله وأخبر به في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا نتجاوز القرآن والحديث والله أعلم. وقد تقدم التنبيه على أن السلف رضوان الله عليهم قد فسروا آيات الصفات وأحاديثها وبينوا معانيها ونهوا عن تأويلات الجمهمية وذكرنا ما ذكره شيخ الاسلام من أن مذهب أهل التفويض اشر المذاهب وأخبثها ونسبة ذلك إلى السلف من الكذب عليهم والله أعلم.
(ومنها) ما ذكره في صفحة ثمان وسبعين على قول الناظم:
فسائر الصفات والافعال ... قديمة لله ذي الجلال
قال الشارح وسائر الافعال من الاستواء أو النزول والاتيان والمجيء والتكوين ونحوها قديمة عند سلف الامة وأئمتها لله ذي الجلال والاكرام ليس منها شيء محدث وإلا لكان محلا للحوادث وما حلت به الحوادث فهو حادث تعالى الله عن ذلك انتهى.
فأقول اعلم أنا قد قدمنا فيما قبل من كلام شيخ الاسلام ابن اتيمية وكلام تلميذه ابن القيم الذين هم سادات الحنابلة وأئمتهم ما فيه الكفاية ولكن لا بد من التنبيه على بعض ذلك ليتبين لك أن نسبة ذلك إلى سلف الامة وأئمتها من الكذب عليهم وإنما هو كلام سلف أئمة أهل البدع والضلال الذين ينتسبون إلى مذهب أهل السنة والجماعة. فمن ذلك أن شيخ الاسلام ابن تيمية وابن القيم ذكرا أن مذهب السلف وأئمتها أن أفعال الله سبحانه وتعالى قديمة النوع حادثة الآحاد وأن الله سبحانه لم يزل متكلمًا إذا شاء أو لم نزل الارادات والكلمات تقوم بذاته شيئًا بعد شيء ونحو ذلك.
فإذا عرفت هذا تبين لك أن قول الشارح في أفعال الله الاختيارية: ليس منها شيء محدث والا كان محلًا للحوادث وما حلت به الحوادث فهو حادث تعالى الله عن ذلك- ليس هو من كلام السلف وأئمتها بل هو من كلام أهل البدع المخالفين للسلف كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى. وأما حلول الحوادث فيريدون به أنه لا يتكلم بقدرته ومشيئته ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يأتي يوم القيامة ولا يجيء ولا يغضب بعد أن كان راضيًا ولا يرضى بعد أن كان غضبان ولا يقوم به فعل البتة ولا أمر مجدد بعد أن لم يكن ولا يريد سيئًا بعد أن لم يكن مريدًا له فلا يقول له كن حقيقة ولا استوى على عرشه بعد أن لم يكن مستويًا ولا يغضب يوم القيامة غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولا ينادي عباده يوم القيامة بعد أن لم يكن مناديًا ولا يقول للمصلي إذا قال (الحمد لله رب العالمين) حمدني عبدي فإذا قال (الرحمن الرحيم) قال (أثنى على عبدي) فإذا قال (ملك يوم الدين) قال مجدني عبدي )) فإن هذه كلها حوادث وهو منزه عن حلول الحوادث انتهى، وقد تقدم كلام شيخ الاسلام وفيه الكفاية.
ثم إن ممن المملوم عند من له إلمام بالمعارف والعلوم أن نزول الله سبحانه وتعالى إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر وكذلك مجيئه لفصل القضاء بين العباد يوم القيامة لم يكن قديمًا قبل أن يخلق السموات والأرض في الازل بل ذلك فيما لم يزل إلى يوم القيامة بمشيئته وقدرته وإرادته كما يشاء أن ينزل وكما يشاء أن يجيء ويأتي على ما يليق بعظمته وجلاله ومن تأمل كلام شمس الدين ابن القيم حق التأمل تبين له ما قاله أئمة السلف وتبين له أيضًا وتبين له ايضًا ما يقوله أئمة أهل البدع وما تحت ألفاظهم المحملة التي لم ينطق بها كتاب ولا سنة ولم يتكلم بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا التابعون ولا من بعدهم من الأئمة المهتدين والله أعلم.