عنه حرب بن إسماعيل قال: قلت لاسحق يعني ابن راهوية هو على العرش بحد قال: نعم بحد. وذكر عن ابن المبارك قال: هو على عرشه بائن من خلقه بحد. ثم قال شيخ الاسلام بعد أن ذكر أقوال أئمة السلف: أنه بحد قال رحمه الله بينوا أن ما أثبتوه له من الحد لا يعلمه غيره كما قال مالك وربيعة وغيرهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول. فبين أن كيفية استوائه مجهولة للعباد فلم ينفوا ثبوت ذلك في نفس الأمر، ولكن نفوا على الخلق به واعلم أني إنما أعدت هذا الكلام وكررته ليتبين لك ما بين اللفظتين من قوله: بلا حد ومن قوله: بحد لتعلم الفرق بين هاتين اللفطتين كما بينه شيخ الاسلام فيما تقد والله أعلم [1] .
وأما قول الشارح: والخالق هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، الأول من غير بداية والآخر من غير نهاية والظاهر من غير تحديد، والباطن من غير تخصيص، إلى آخر كلامه.
فاعلم وفقك الله أن في هذا الكلام ألفاظ لم يقل بها أحد من أئمة السلف رضي الله عنهم كقوله: الظاهر من غير تحديد ن والباطن من غير تخصيص، فلنسلم معنى ما ذكره من هذه الألفاظ لما تقدم بيانه، والذي ذكره أئمة السلف هو ما ذكره ابن القيم رحمه الله في سفر الهجرتين حيث قال: وقد فسر أعلى الخلق بربه هذه الآية قوله تعالى (هو الأول والآخر والباطن وهو بكل شيء عليم) بأنه هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، فهذا تفسير أعلم الخلق بربه ولا حاجة بنا إلى تفسير من لا عصمة في قوله. وقد بينا فيا تقدم أن هذا من كلام أهل البدع وإنهم يوهمون الناس أن مقصودهم بذلك أن لا تحصره المخلوقات، ولا تجوزه المصنوعات، وهذا المعنى صحيح. ومقصودهم أنه ليس مباينا للخلق ولا منفصلًا عنه، وأنه ليس فوق السموات رب، ولا على العرش غله. وقد تقدم هذا في كلامه شيخ الاسلام بتمامه.
وأما قوله: والباطن من غير تخصيص - فهو أيضًا من كلام أهل البدع كما ذكره شيخ الإسلام عن ابن التومرت الذي يسمونه المهدي وهو من نفاة الصفات. والجواب عما ذكره ابن التومرت مذكور في العقل والنقل في صفحة سبع ومائتين في المجلد الأخير في الجزء الثالث فمن أراد الوقوف عليه فليراجعه هناك والله أعلم.
ومنها ما ذكره الشارح في صفحة سبع وعشرين على قوله (ونهجه) أي نهج اليد والوجه ونحوهما أي كل ما ورد من الأوصاف من الرجل والقدم والصورة فأقول:
اعلم أن ما ذكره الشارح من قوله والصورة أن أراد به ما أخبر به صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح كما في البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( إن الله خلق آدم على صورته ) )ورواه الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا ولفظه (( خلق آدم على صورة الرحمن ) )قال شيخ الاسلام: ورواه الاعمش مسندًا، وكما رود في الحديث (( فيأتيهم على الصورة التي يعوفونها فيقول أنا ربكم ) )فما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فهو الحق الذي لا ريب فيه. ولكن لا نقول إلا ما ورد به النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز لا حد أن يطلق على الله أن صورة لان ذلك لم يرد في الكتاب ولا في السنة لا نفيًا ولا إثباتًا، ولا سمى الله به نفسه. فإطلاق هذه الالفاظ على الله من أقوال أهل البدع التي تلقاها من خلف منهم عمن سلف.
قال ابن القيم رحمه الله في المدارج بعد ان ذكر كلامًا سبق: إن الفعل أوسع من الاسم، ولهذا أطلق على نفسه أفعالًا لم يتسم منها بأسماء الفاعل كأراد وشاء وأحدث، ولم يسم بالمريد والمشيء والمحدث كما لم يسم نفسه
(1) قال الحافظ الذهبي في ترجمة الحافظ محمد بن حبان أبي حاتم البستي من الميزان ما نصه: قال أبو إسماعيل الهروي شيخ الإسلام سألت يحيى بن عمار عن أبي حاتم بن حبان فقال رأيته ونحن أخرجناه من سجستان كان له علم كثير ولم يكن له كبير دين: قدم علينا فأنكر الحد لله فأخرجناه. قلت انكاره الحد واثباتكم نوع من فضول الكلام والسكوت عن الطرفين أولى إذ لم يأت نص بنفي ذلك ولا أثباته والله تعالى (ليس كمثله شيء) فمن أثبته قال له خصم جعلت لله حدًا برأيك ولا نص معك بالحد. والمحدود مخلوق، تعالى الله عن ذلك. وقال هو للنافي ساويت ربك بالشيء المعدوم إذ المعدوم لا حد له. فمن نزه الله وسكت سلم وتابع السلف اهـ.