قدر ما وصف منها، إذا لم تعرف ما وصف فما نكلفك علم ما لم يصف؟ هل تستدل بذلك علي شيء من طاعته، او تنزجر عن شيء من معصيته؟ وذكر كلاما طويلا الي آن قال: فآما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقا وتكلفا قد استهوته الشياطين في الأرض حيران فصار يستدل بزعمه علي جحد ما وصف الرب وسمي من نفسه بان قال لا بد الألسن كان له من الألسن يكون له كذا، فعمي عن البين بالخفي بجحد ما سمي الرب من نفسه ويصف الرب بما لم يسم فلم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قول الله تعالى (وجوه يومئذ ناضرة * الي ربها ناظرة) فقال لا يراه أحد يوم القيامة، فجحد والله افضل كرامة الله التي اكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر في وجهه (في مقعد صدق عند مليك مقتدر) قد قضي انهم لا يموتون فهم بالنظر إليه ينضرون 0 وذكر كلاما طويلا كتب في غير هذا الموضع ثم ذكر بعد هذا كلام الأمام عثمان بن سعيد الدرامي في كتابه الذي سماه (رد عثمان بن سعيد، علي الكافر العنيد، فيما افتراه على الله في التوحيد) فقال:
(باب الحد والعرش)
قال أبو سعيد: وادعى المعارض أيضًا أنه ليس لله حد ولا غاية ولا نهاية، قال وهذا هو الأصل الذي بني عليه جهم جميع ضلالاته، واشتق منها جميع أغلوطاته، وهي كلمة لم يبلغنا أنه سبق جهمًا إليها من أحد من العالمين فقال له قائل ممن يحاوره قد علمت مرادك أيها الأعجمي تعني أن الله لا شيء لأن الخلق كلهم قد عملوا أنه ليس شيء يقع عليه اسم شيء إلا وله حد وغاية وصفه، وأن لاشيء ليس له حد ولا غاية ولا صفة، فالشيء أبدًا موصوف لا محالة، ولاشيء يوصف بلا حد ولا غاية، وقولك لا حد له تعني أنه لاشيء، قال أبو سعيد والله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره ولا يجوز لا حد أن يتوهم غاية في نفسه، لكن يؤمن بالحد وبكل علمه انتهى.
إذا فهمت هذا وتحققته تبين لك منافاه ما قاله الناظم والشارح لكلام أئمة السلف رضوان الله عليهم لأن مرادهم في قولهم بلا حد كما قال أحمد وهو على العرش بلا حد، وقوله: وكما وصف نفسه سميع بصير بلا حد، وقوله لا يصفه الواصفون ولا يحده أحد. فمرادهم بقوله بلا حد معناه ما ذكره شيخ الإسلام قدس الله ورحمه بقوله بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد نفى به إحاطة علم الخلق به وأن يحدوه أو يصفوه على ما هو عليه إلا بما أخبر به عن نفسه ليتبين أن عقول الخلق لا تحيط بصفاته كما قال الشافعي في خطبة الرسالة: الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به خلقه. ولهذا قال أحمد لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية فنفى أن يدرك له حد أو غاية وكذلك ما ذكره الإمام عبد العزيز بن عبدالله ابن أبي سلمة الماجشون حيث قال وكيف يكون لصفة شيء منه حدًا ومنتهى يعرفه عارف أو يحد قدره واصف إلى آخر كلامه.
فهذا ما ذكره أئمة السلف رضوان الله عليهم في معنى قولهم بلا حد وهو خلاف ما فهمه الشارح في معنى قولهم بلا حد فإنه قال وفيه الرد على من زعم أنه يلزم من كونه مستويًا على عرشه أن يحد تعالى الله عن ذلك إذ المحدود محدث والمحدث مفتقر للخالق وهذا يوافق ما قاله أهل البدع من أهل الكلام وغيرهم ممن أخذ بانوال الجهمية المنكرين لعلوه على عرشه ومباينته لمخلوقاته كما ذكر ذلك عنهم الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في رده على بشر المريسي حيث قال وادعى المعارض أيضًا أنه ليس لله حد ولا غاية ولا نهاية قال وهذا هو الأصل الذي بني عليه جهم جميع ضلالاته واشتق منها جميع أغلوطاته وهي كلمة لم يبلغنا أنه سبق جهمًا إليها أحد من العالمين فقال له قائل ممن يحاوره قد علمت مرادك أيها الأعجمي تعني أن الله لا شيء لأن الخلق كلهم قد علموا أنه ليس شيء يقع عليه اسم الشيء إلا وله حد وغاية أو صفه وأن لاشيء ليس له حد ولا غاية ولا صفة فالشيء أبدًا موصوف لا محالة ولا شيء يوصف بلا حد ولا غاية وقولك لا حد له تعني أنه لاشيء قال أبو سعيد والله تعالى له حد لايعلمه أحد غيره ولا يجوز لا حد أن يتوهم لحده غاية في نفسه ولكن يؤمن بالحد وبكل علم انتهى
فإذا كان ذلك كذلك تعين ما ذكره أئمة السلف حيث قالوا: كيف نعرف الله عز وجل، قال: على العرش بحد كما رواه على بن الحسين بن شقيق عن عبدالله بن المبارك رضي الله عنه، وكما رواه الخلال باسناده إلى الإمام أحمد أنه قيل له يحكي عن ابن المبارك وقيل له: كيف تعرف ربنا؟ قال: على عرشه بحد قال أحمد: هكذا هو عندنا وذكر أيضًا