الصفحة 21 من 29

وقال شيخ الاسلام أيضًا في العقل والنقل: وقال عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه المعروف (بنقص عثمان بن سعيد، علي المريسي الجهمي العنيد، فيما افترى على الله في التوحيد) قال: وادعى المعارض أيضًا أن قول النبي صلى الله عليه وسلم (( إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل فيقول هل من مستغفر هل من تائب هل من داع ) )قال: وادعى أن الله لا ينزل بنفسه إنما ينزل أمره ورحمته وهو على العرش وبكل مكان من غير زوال لأنه الحي القيوم بزعمه من لا يزول (قال) فيقال لهذا المعارض وهذا أيضًا من حجج النساء والصبيان، ومن ليس عنده بيان، ولا لمذهبه برهان، لأن أمر الله ورحمته ينزل في كل ساعة ووقت وأوان، فمال بال النبي صلى الله عليه وسلم يحد لنزوله الليل دون النهار ويوقت من الليل شطره والاسحار، أفأمره ورحمته يدعوان العباد إلى الاستغفار، أو يقدر الامر والرحمة أن يتكلما دونه فيقولا (( هل من داع فأجيبه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فاعطيه؟ ) )فإن أقررت مذهبك لزمك أن تدعى أن الرحمة والامر هما اللذان يدعوان العباد إلى الاجابة والاستغفار بكلامه دون الله وهذا محال عند السفهاء فكيف عند الفقهاء؟ قد علمتم ذلك ولكن تكابرون؟ وما بال رحمته وأمره ينزلان من عنده شطر الليل ثم يمكثان إلى طلوع الفجر ثم يرفعان لأن رفاعة راوية يقول في حديثه (( حتى ينفجر الفجر ) )قد علمتم إن شاء الله تعالى أن هذا التأويل باطل، ولا يقبله إلا ساهل، وأما دعواك أن تفسير القيوم الذي لا يزول عن مكانه ولا يتحرك فلا يقبل منكم هذا التفسير إلا بأثر صحيح مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن بعض أصحابه أو التابعين لأن الحي القيوم يفعل ما شاء ويتحرك إذا شاء ويهبط ويرتفع إذا شاء، ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس إذا شاء، لأن أمارة ما بين الحي والميت التحرك. كل حي متحرك لا محالة كل ميت غير متحرك لا محالة. ومن يلتفت إلى تفسيرك وتفسير صاحبك مع تفسير نبي الرحمة، ورسول رب العزة؟ إذ فسر نزوله مشروعًا منصوصًا، ووقت لنزوله وقتًا مخصوصًا، ولم يدع لك ولاصحابك فيه لعبًا ولا عويصًا. انتهى والله أعلم.

(ومنها) ما ذكره الشارح في صفحة الثلاثين على قول الناظم:

وكل ما يفعله العباد لربنا ... من غير ما اضطرار

من طاعة أو ضدها مراد ... منه لنا فافهم ولا تمار

قال الشارح وكل ما أي فعل يفعله العباد من طاعة وهي متعلق المدح في العاجل، والثواب في الآجل، أو ضدها أي وكل ما يفعله من ضد الطاعة وهي المعصية يعني ما فيه ذم في العاجل، وعقاب أو لوم في الآجل مراد لربنا تعالى داخل تحت أرادته ومشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو على كل شيء قدير انتهى.

فأقول اعلم وفقك الله تعالى أن الشارح والناظم اطلقا لفظ الارادة من غير تفصيل ولا بيان وهو كلام مجمل موهم من جنس ما تقدم من الالفاظ التي نبهنا عليها من كلام أهل البدع فإن الظاهر من هذا اللفظ الذي أطلقه الشارح والناظم إنما يراد به الارادة الكونية القدرية في المسألة تفصيل قد ذكره المحققون من أهل العلم لأن الارادة إرادتان إرادة كونية قدرية وإرادة دينية شرعية.

وبيان ذلك بما ذكره شيخ الاسلام بن تيمية قدس الله روحه في منهاج السنة حيث قال (الوجه الثالث) طريقة الائمة الفقهاء وأهل الحديث وكثير من أهل النظر وغيرهم أن الارادة في كتاب الله نوعان إرادة تتعلق بالامر وإرادة تتعلق بالخلق فالارادة المتعلقة بالامر ان يريد من العبد فعل ما أمر به، وأما إرادة الخلق فإن يريد ما يفعله هو فإرادة الامور هي المتضمنة للمجة والرضا وهي الارادة الدينية، والارادة المتعلقة بالخلق هي المشيئة وهي الارادة الكونية القدرية، فالاولى كقوله تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقوله (يريد الله ليبين لكم) إلى وقوله (يريد الله ان يخفف عنكم) وقوله (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم) الآية وقوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) الآية الثانية كقوله تعالى (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام من يرد ان يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا) وقوله (ولا ينفعكم نصحى أن أردت أن انصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم) ومن هذا النوع قول المسلمين: ما شاء الله وكان وما لم يشاء لم يكن ومن الاول كقولهم لمن يفعل القبائح هذا يفعل ما لا يريده الله منه فإذا كان كذلك فالكفر والفسوق والعصيان ليس مرادًا للرب عز وجل بالاعتبار الاول والطاعة موافقة لتلك الارادة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت