الصفحة 15 من 29

(فصل)

ومنها ما ذكره في الواجه الرابع والعشرين علي قول الناظم:

سبحانه قد استوي كما ورد ... من غير كيف قد تعالي آن يحد

فقال: تعالي الله آن يحد وفيه الرد علي من زعم آن يلزم من كونه مستويا علي عرشه آن يحد تعالي الله عن ذلك اذ المحدود محدث والمحدث مفتقر للخالق والخالق سبحانه (هو الاول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم) الاول من غير بداية، والآخر من غير نهاية، والظاهر من غير تحديد، والباطن من غير تخصيص، موجود بالوجود القديم من غير تشبيه ولا تكييف.

فاقول اعلم وفقك الله آن هذا الكلام الذي أورده الشارح في هذا المقام من الألفاظ لمجملة الموهمة المطلقة المتحملة لمعنيين حق وباطل فلا ينفصل النزاع الا بتفصيل تلك العاني وتنزيل ألفاظها عليها كما قل ابن القيم رحمة الله تعالى علي هذه الألفاظ المبتدعة المخترعة التي لم ينطق بها سلف الآمة وأئمتها، ويقولون نحن ننزه الله تعالى عن الأعراض الاغراض والابعاض والحدود والجهات وحلول الحوادث، فيسمع الغر المخدوع هذه الألفاظ فيتوهم منها لهم ينزهون الله عما يفهم من معانيها عند الإطلاق من العيوب والنقائص والحاجة فلا يشك لهم يمجدونه، ويعظمونه ويكشف الناقد البصير ما تحت هذه الألفاظ فيري تحتها لإلحاد وتكذيب الرسل وتعطيل الرب تعالي عما يستحقة من كماله - الي آخر كلامه 0 وقد تقدم 0

وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه: وكذلك إذا قالوا آن الله منزه عن الحدود والاحياز والجهات اوهموا الناس بان مقصو دهم بذلك انه لا تحصره المخلوقات ولا تحوزه المصنوعات وهذا المعني صحيح، مقصو دهم انه ليس مباينا للخلق ولا منفصلا عنه، وانه ليس فوق السموات رب ولا علي العرش اله، وان محمدا لم يعرج به إليه ولم ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء ولا يتقرب إليه بشيء ولا ترفع الأيدي إليه في الدعاء ولا غيره ونحو ذلك من معاني الجهمية انتهي 0

فإذا تبين لك هذا فاعلم آن قول الشارح علي هذه اللفظة المحتملة الموهمة المطلقة حيث قال: تعالي الله آن يحد وفيه الرد علي من زعم انه يلزم من كونه مستويا علي عرشه آن يحد، تعالي الله عن ذلك، اذ المحدود محدث والمحدث مفتقر للخالق الي آخر كلامه هو من كلام آهل البدع من الجهمية وغيرهم ممن نحا نحوهم من المتكلمين فإذا كان هذا هو المفهوم من كلام الناظم والشارح قطعا ولا محيد عنه لإطلاقه ألفاظا لم ينطق بها الكتاب والسنة ولا نطق بها أئمة السلف رضوان الله عليهم بل المتكلم بها من هؤلاء المبتدعة يوهمون الناس آن مقصو دهم بذلك انه لا تحصره المخلوقات ولا تحوزه المصنوعات، وهذا المعني صحصح، ولكن مقصو دهم هو ما تقدم بيانه عنهم من كلام شيخ الإسلام آنفا واذا كان ذلك كذلك فنحن نسوق كلام أئمة السلف رضوان الله تعالى عليهم في هذا المقام ليتبين لك خطأ الناظم الشارح 0

قال شيخ الإسلام ابن تميمة قدس الله روحه في العقل والنقل بعد آن ذكر كلاما طويلا قال: وقال حنبل في مواضع آخر عن احمد قال (ليس كمثله شيء) في ذاته كما وصف به نفسه قد اجمل تبارك وتعالي بالصفة لنفسه فحد لنفسه ليس يشبه شيء فنعبد الله بصفاته غير محدودة ولا معلومة الا بما يوصف به نفسه قال فهو سميع بصير بلا حد و لا تقدير ولا يبلغ الواصفون صفته وصفاته منه وله ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال ونصفه كما وصف نفسه ولا نتعدى ذلك ولا تبلغه صفة الواصفين؛ نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهة ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوه بعبده يوم القيامة ووضعه كنفه عليه هذا يدل علي آن الله تبارك وتعالي يري في الآخرة والتحديد في هذا كله بدعة والتسليم لله بآمره بغير صفة ولا حد الا ما وصف به نفسه، سميع بصير لم يزل متكلما عالما غفورا، عالم الغيب والشهادة علام الغيوب 0 فهذه صفات وصف بها نفسه لا تدفع ولا ترد، وهو علي العرش بلا حد كما قال تعالي (ثم استوي علي العرش) كيف شاء، المشيئة إليه عز وجل والاستطاعة ليس كمثله شيء وهو خالق كل شيء وكما وصف نفسه سميع بصير بلا حد ولا تقدير 0 قال إبراهيم لأبيه (يا آبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر) فنثبت آن الله سميع بصير صفاته منه لا نتعدي القرآن والحديث، والخبر"يضحك الله"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت