فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 293

-وقوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح بن مريم، وماأمِروا إلا ليعبدوا إلها واحدًا، لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون) [التوبة: 31] ، قال ابن كثير رحمه الله: (وقوله(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح بن مريم) ، روي الإمام أحمد والترمذي وابن جرير من طرق عن عَدِيّ بن حاتم رضي الله عنه أنه لما بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فَرَّ إلى الشام، وكان قد تنصَّر في الجاهلية، فأُسِرَت أختُه وجماعة من قومه، ثم مَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أخته وأعطاها فرجعت إلى أخيها فَرَغَّبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدّم عدي إلى المدينة وكان رئيسًا في قومه طِيء، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عُنُق عدي صليب من فضة وهو يقرأ هذه الآية «اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله» قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم، فقال صلى الله عليه وسلم «بلى، إنهم حرّموا عليهم الحلال وأحَلّوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم) - الحديث، إلى أن قال ابن كثير - وهكذا قال حذيفة ابن اليمان وعبدالله بن عباس وغيرهما في تفسير (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرّموا، وقال السُّدّي: استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، ولهذا قال تعالى: (وماأمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا) أي الذي إذا حَرّم الشيء فهو الحرام وما حَلّله فهو الحلال وماشرعه اتُّبع وما حَكَم به نفذ، (لا إله إلا هو سبحانه عما يُشركون) أي تعالى وتقدّس وتنّزه عن الشركاء والنظراء والأعوان والأضداد والأولاد، لا إله إلا هو، ولا ربّ سواه) [تفسير ابن كثير: 2: ص 348، 349] ، وحديث عدي بن حاتم حسّنه الترمذي، وحسّنه أيضا ابن تيمية [مجموع الفتاوى: 7: ص 67] ، وموضع الدلالة من هذه الآية والحديث الوارد في تفسيرها في المناط الذي نتحدث عنه وهو (التشريع من دون الله) : أن مَنْ فعل هذا فأحلّ الحرام وحَرَّم الحلال وشرع مالم يأذن به الله فقد جعل نفسه رَبًّا للناس من دون الله وكفى به كفرًا مبينًا.

-وقوله تعالى: (قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولانشرك به شيئًا، ولايتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مُسلمون) [آل عمران: 64] ، قال القرطبي - رحمه الله - في تفسيرها: (قوله تعالى(ولايتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله) أي نتبعه في تحليل شيء أو تحريمه إلا فيما حلله الله تعالى، وهو نظير قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) معناه أنهم أنزلوهم منزلة ربهم في قبول تحريمهم وتحليلهم لِمَا لم يحرِّمه الله ولم يُحلّه الله) فالآية نصّ في أن من شرع للناس من دون الله فقد جعل نفسه ربًا لهم.

الحكم بغير ماأنزل الله: أي الحكم بهذا الشرع المخالف لشرع الله:

-قال تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله) [الشورى: 21] ، هؤلاء سيحكمون بهذا التشريع الذي لم يأذن به الله، وهو حكم بغير ما أنزل الله.

-وقال تعالى: (ولايُشرك في حكمه أحدًا) [الكهف: 26] ، فالذي يحكم بغير ما أنزل الله فقد أشرك معه غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت