-وقال تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم، وماأُمِروا إلا ليعبدوا إلها واحدًا، لا إله إلا هو سبحانه عما يُشركون) [التوبة: 31] ، فالذي يطيع المشرعين في تحليل الحرام وتحريم الحلال فق اتخذهم أربابًا من دون الله، ويكون بهذا قد أشرك، فما بالك بالمشرعين أنفسهم فهم أولى بالشرك، ومن حكم بتشريعهم فهو أيضًا مشرك.
-وقال تعالى: (ولاتأكلوا مما لم يُذكر اسم الله عليه وإنه لفسق، وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) [الأنعام: 121] ، فالذي يطيع المشركين في أر واحد يخالف شرع الله فهو مشرك، فما بالك فيمن يطيعهم في كل الأمور التي تخالف شرع الله ويحكم بقوانينهم، هذا أولى بالشرك.
-وقال تعالى: (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) [الأنعام: 1] ، قال الرازي: (عَدَلْتُ) فلانًا بفلان إذا سَوَّيْت بينهما، و (العَدْل) ماعَدَلَ الشيء من غير جنسه. [مختار الصحاح مادة عدل: ص 417، 418]
-وقال تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وماأنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا للطاغوت وقد أمِروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالًا بعيدًا - إلى قوله - فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا) [النساء: 60، 65] ، والتشريع المخالف لشرع الله طاغوت، والحاكم بهذا الطاغوت، والمتحاكم إليه إيمانهم مزعوم (أي: كذب) .
-وقال تعالى: (ياأيها الذين آمنوا لاتتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لايهدي القوم الظالمين) [المائدة: 51] ، فالذي يحكم بقوانين الكفار التي تخالف شرع الله فق والاهم أشد الموالاة.
وكل واحد من هذه الثلاثة مناط مكفر بذاته، ويختلف نصيب القائمين على الحكم بالقوانين من هذه المناطات، ففي حين تجتمع الثلاثة في حق بعضهم، فإنها تنفرد أو تتبعض في حق البعض الآخر، وهذا بيانه:
1 -فرئيس الدولة، وهو رأس السلطة التنفيذية: تجتمع في حقه المناطات الثلاثة، إذ إنه الآمر الملزِم بها جميعا، كما أنه يصدِّق على قرارات السلطة التشريعة لإجازة العمل بها في الدولة (المناط الثاني) ، كما يصدّق أحيانًا على أحكام المحاكم لتنفذ (المناط الأول والثالث) .
2 -وكذلك البرلمان أو مجلس الشعب، وهو السلطة التشريعية: تجتمع في حقه المناطات الثلاثة، فهو الذي يشرع مايستجد من قوانين (المناط الثاني) ، كما أنه مسئول عن إجازة السياسة العامة للدولة والتي منها الحكم بغير ماأنزل الله (المناطان الأول والثالث) ، ويلحق بمجلس الشعب في المناط الثاني (التشريع) : اللجان الفنية المتخصصة بما يُسمى بوزارة العدل فهى التي تضع القوانين حقيقة ً، وينحصر دور مجلس الشعب في مناقشتها وإجازتها، ويلحق بمجلس الشعب كل من له سلطة إصدار قرارات بقوانين في الدولة.
3 -أما القضاة ومن في حكمهم: فهؤلاء يجتمع في حقهم المناطان الأول والثالث، وهما ترك حكم الله والحكم بغيره، فإذا حكم بسجن السارق: فقد ترك حكم الله بقطع يده، وحكم بغير ما أنزل الله بسجنه، وهكذا في سائر الأقضية. ولاشأن للقضاة غالبًا بالمناط الثاني وهو التشريع وإنما هم يحكمون بما شرعه غيرهم، إلا في البلاد التي تعتبر السوابق القضائية أحكامًا تحتذي فهنا تتخذ أحكام بعض القضاة صفة التشريع. [الجامع في طلب العلم الشريف لعبد القادر عبد العزيز: ص 945 - 971 بتصرف] .