فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 293

••اختراع شرع مخالف لشرع الله (تشريع مالم يأذن به الله) : لأن من شرع للناس من دون الله قد جعل نفسه شريكًا لله في ربوبيته وألوهيته، ويكون قد نصب نفسه رَبًّا للناس وكَفَر بذلك، وبهذه الأوصاف كلها وصفه الله تعالى كما يدل عليه:

-قوله تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله) [الشورى: 21] ، فثبت بهذا النص أن من شرع للناس مالم يأذن به الله فقد جعل نفسه شريكًا لله في ربوبيته، ومن أطاعه في ذلك واتبع التشريع المخالف فقد أشرك بالله.

-وقوله تعالى: (ولايُشرك في حكمه أحدًا) [الكهف: 26] ، ويقال فيها ماقيل في الآية السابقة، أن من شرع للناس مالم يأذن به الله فقد شارك الله في تشريع الأحكام لخلقه وجعل نفسه شريكا لله، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، والله تعالى قد أمر أمرًا شرعيا بألا يشاركه أحد في الحكم والتشريع الذي أفرد نفسه به كما قال جل شأنه: (إن الحكم إلا لله) [يوسف 40] ، وقال: (ولايُشرك في حكمه أحدًا) [الكهف: 26] .

-وقوله تعالى: (وكذلك زيَّن لكثير من المشركين قَتْل أولادِهم شركاؤهم) [الأنعام: 137] ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا سرَّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام (قد خسر الذين قتلوا أولادهم - إلى قوله - وماكانوا مهتدين) [رواه البخاري] ، ويعني ابن عباس رضي الله عنهما ماكان عليه العرب في الجاهلية من الجهل والشرك بالله، وذلك أن شركاءهم من شياطين الإنس والجن كانوا قد حللوا لهم وحرّموا عليهم مالم يأذن به الله ومن ذلك ماكانوا عليه من قتل الأولاد خشية الإملاق ووأد البنات خشية العار [تفسير ابن كثير: 2: ص 179 - 181] .

-وقوله تعالى: (ماجَعَل الله من بَحيرة ٍ ولاسائبة ولا وصيلة ولا حام، ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لايعقلون) [المائدة: 103] ، قال ابن كثير: وقوله تعالى: (ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لايعقلون) أي ماشرع الله هذه الأشياء ولا هى عنده قُربة ولكن المشركين افتروا ذلك وجعلوه شرعًا لهم وقربة يتقربون بها إليه وليس ذلك بحاصل لهم بل هو وبالٌ عليهم) [تفسير ابن كثير: 2: ص 107، 108] ، والذي نستشهد به من هذا النص هو حكم الله تعالى على من شرع للناس الشرائع الباطلة بأنه كافر يفتري الكذب (ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب) .

-وقوله تعالى: (إنما النسيء زيادة في الكفر يُضَل به الذين كفروا، يُحلّونه عامًا ويحرمونه عاما ليواطئوا عِدّة ماحرّم الله، فيُحلوا ماحرّم الله، زُيِّن لهم سوء أعمالهم، والله لايهدي القوم الكافرين) [التوبة: 37] ، والنسيء تشريع مخالف لشريعة الله في الأشهر الحُرُم - وهى رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم - وقد حرّم الله القتال في هذه الأشهر، فكانوا في الجاهلية إذا أرادوا القتال في شهر منها جعلوه حلالًا وحرموا بدلًا منه شهرًا آخر من أشهر الحِلّ ليواطئوا عدة ماحرم الله، أي ليوافقوا العدد الذي حرّمه الله. فبيّن الله تعالى أن هذا التشريع المخالف لشرعه هو زيادة في الكفر، والزيادة في الكفر كفر، وبهذا يكون من شرع مايخالف شرع الله كافرًا، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: (هذا مما ذم الله تعالى به المشركين من تصرّفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة، وتحليلهم ماحرّم الله وتحريمهم ماأحَلّ الله - إلى قوله - فكانوا قد أحدثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرّم فأخّروه إلى صفر، فيُحلون الشهر الحرام ويحرّمون الشهر الحلال، ليواطئوا عدة ما حرّم الله الأشهر الأربعة) [تفسير ابن كثير: 2: ص 356] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت