وسلم، بتفسير الآية. وذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عائشة / إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا / [1] من هم؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: هم أصحاب الأهواء وأصحاب البدع وأصحاب الضلالة من هذه الأمة"الحديث الذي تقدم ذكره."
وهذه الخاصية قد دل عليها الحديث المتكلم عليه، وهي موجودة في كل فرقةٍ من الفرق المتضمنة في الحديث. ألا ترى كيف كانت ظاهرةً في الخوارج الذين أخبر بهم النبى صلى الله عليه وسلم في قوله:"يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان"
الخاصية الثانية (إتباع المتشابه) هي التي نبه عليها قوله تعالى:/ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ / [2] فبينت الآية أن أهل الزيغ يتبعون متشابهات القرآن، وجعلوا ممن شأنه أن يتبع المتشابه لا المحكم. ومعنى المتشابه: ما أشكل معناه، ولم يبين مغزاه، سواء كان من المتشابه الحقيقي كالمجمل من الألفاظ وما يظهر من التشبيه، أو من المتشابه الإضافي، وهو ما يحتاج في بيان معناه الحقيقي إلى دليلٍ خارجيٍٍ، وإن كان في نفسه ظاهر المعنى لبادي الرأي، كاستشهاد الخوارج على إبطال التحكيم بقوله: / إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ / فظاهر الآية صحيح على الجملة، وأما على التفصيل فمحتاج إلى البيان، وهو ما تقدم ذكره لابن عباسٍ رضي الله عنهما، لأنه بين أن الحكم لله تارةً بغير تحكيمٍ لأنه إذا أمرنا بالتحكيم فالحكم به حكم الله.
الخاصية الثالثة إتباع الهوى: الذي نبه عليه قوله تعالى / فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ / والزيغ هو الميل عن الحق اتباعًا للهوى، وكذلك قوله تعالى: / وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ / وقوله: / أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ /، وليس في حديث الفرق ما يدل على هذه الخاصية ولا على التي قبلها إلا أن هذه الخاصية راجعة في المعرفة بها إلى كل أحد في خاصة نفسه، لأن اتباع الهوى أمر باطني فلا يعرفه غير صاحبه إذا لم يغالط نفسه، إلا أن يكون عليها دليل خارجي. وقد مر أن أصل حدوث الفرق إنما هو الجهل بمواقع السنة، وهو الذي نبه عليه الحديث بقوله صلى الله عليه وسلم: [اتخذ الناس رؤساء جهالًا] ، فكل أحد عالم بنفسه هل بلغ في العلم مبلغ المفتين أم لا؟ فإذا رأيت من يجري على هذا الطريق، فهو من الفرق المخالفة. [3]
وكل جماعةٍ اتصفت بهذه الصفات السبع إثباتًا ونفيًا، فهي من جماعات أهل السنة ولها شرعية جماعة العلماء. ـ
وعملها مشروع بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم [إذا كنتم ثلاثةً فأمروا عليكم أحدكم]
وفيه دليل على أنه يشرع لكل عددٍ بلغ ثلاثةًً فصاعدًا أن يؤمروا عليهم أحدهم لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلى الإختلاف فمع عدم التأمير يستبد كل واحدٍ برأيه ويفعل ما يطابق هواه فيهلكون ومع التأمير يقل الإختلاف وتجتمع الكلمة وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاةٍ من الأرض أو يسافرون، فشرعيته لعددٍ أكثر يسكنون القرى والأمصار ويحتاجون لدفع التظالم وفصل التخاصم أولى وأحرى، وفي
(1) الأنعام (159)
(2) ال عمران (7)
(3) ـ الاعتصام للشاطبى باختصار