وهكذا ما جرى مجراها في الخروج عن الجادة وإلى ذلك فإن من الخلاف ما هو راجع في المعنى إلى الوفاق وهذا مذكور في كتاب الإجتهاد فسقط بسببه كثير مما يعد في الخلاف وإذا روجع ما هنالك تبين منه هذا المقصد. [1]
3ـ الوقوف مع المحكم:
ـ المحكم بمعناه الخاص هو ما لا يفتقر في بيان معناه إلى غيره وهو مقابل المتشابه الحقيقى، ومعناه العام هو ما حصل بيانه في الشريعة من جهة نفسه، أو من جهة غيره، وهو مقابل المتشابه الإضافى وهو بهذا المعنى المعظم والجمهور من الأدلة الشرعية.
والمتشابه نوعان:-
1ـ المتشابه حقيقى: وهو المراد بالآية في قوله تعالى (منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) ومعناه راجع إلى أنه لم يجعل لنا سبيل إلى فهم معناه ولا نصب لنا الدليل على المراد منه فإذا نظر المجتهد في أصول الشريعة وجمع أطرافها لم يجد فيها ما يحكم له معناه ولا ما يدل على مقصوده ومغزاه ولا شك أنه قليل لا كثير ولا يكون فيما لا يتعلق به تكليف شرعى سوى مجرد الإيمان به [2]
2ـ المتشابه الإضافى: هو ما يفتقر في بيانه إلى غيره حتى إذا انضم البيان إلى المُبَيّن إرتفع عنه المتشابه وصار من المحكمات وهذا كالمنسوخ والمجمل، والظاهر والعام والمطلق قبل معرفة مبيناتها، فالعام مع مخصصه هو الدليل، والمطلق مع مقيده، والمجمل مع مبينه أو مفسره هو الدليل.
4 ـ مراعاة الظاهر مع تتبع المعانى، والنظر في المقاصد وفى أدلة الشرع وفى أفعال المكلفين بحيث لا يخل أحد الإعتبارين بالآخر:
أ- بالنسبة للأدلة الشرعية: فكما أن التأويل الفاسد من صفات أهل البدع فكذلك الأخذ بظواهر القرآن دون تدبرٍ لمعانيه ولا نظرٍ في مقاصده، وقد وصف الخوارج أنهم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم (عدم فهم المعنى) وكذلك نجد المرجئة يأخذون بظواهر وإطلاقات بعض الأحاديث ثم يعمدون إلى تأويل ما خالفها)
ـ يقول الإمام القرطبى [الوجه الثاني: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهارٍ بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة وما فيه من الإختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير، فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه ودخل في زمرة من فسر القرآن بالرأي.
والنقل والسماع لابد له منه في ظاهر التفسير أولًا ليتقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والإستنباط والغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع كثيرة ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر، ألا ترى أن قوله تعالى / وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا / [3] معناه آية مبصرة فظلموا أنفسهم
(1) ـ الموافقات ج3 ص 95
(2) (الموافقات ج3 ص220)
(3) الإسراء (59)