الله وعظمته وعزه، تثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة، وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعًا من العبودية الظاهرة، هي موجباتها .. فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات) [1] .
والتعبد بأسماء الله (تعالى) وصفاته له آثاره الطيبة في حسن الخلق وسلامة السلوك، كما أن تعطيل أسماء الله (تعالى) وصفاته لا ينفك عن مساوئ الأخلاق ورديء السلوك.
ومثال ذلك: أن القدرية النفاة لما كانوا ينفون علم الله تعالى المحيط بكل شيء، ويزعمون أن العبد يخلق فعله نفسه، فالخير هو الذي أوجده العبد وخَلقه ـ على حدّ زعمهم ـ، ودخوله الجنة عوض عمله، فأورثهم ذلك غرورًا وعُجبًا، وكما قال أبو سليمان الداراني:
(كيف يعجب عاقل بعمله؟ وإنما يعدّ العمل نعمة من الله، إنما ينبغي له أن يشكر ويتواضع، وإنما يعجب بعمله القدرية) [2] .
ـ والتعبد بأسماء الله (تعالى) وصفاته سبب رئيس في السلامة من الآفات: كالحسد، والكبر، كما قال ابن القيم: (لو عرف ربّه بصفات الكمال ونعوت الجلال، لم يتكبر ولم يحسد أحدًا على ما آتاه الله؛ فإن الحسد في الحقيقة نوع من معاداة الله؛ فإنه يكره نعمة الله على عبده وقد أحبها الله، ويحب زوالها عنه والله يكره ذلك، فهو مضاد لله في قضائه وقدره ومحبته وكراهته ... ) [3] .
ـ والتعبد بأسماء الله (تعالى) وصفاته يثمر الموقف الصحيح تجاه المكروهات والمصائب النازلة؛ فإن الإنسان ظلوم جهول، والله (تعالى) بكل شيء عليم، وهو (سبحانه) حَكَمٌ عدْل، ولا يظلم (تعالى) أحدًا، قال (سبحانه) : (( كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) ) [البقرة: 216]
يقول ابن القيم: (من صحت له معرفة ربه والفقه في أسمائه وصفاته علم يقينًا أن المكروهات التي تصيبه والمحن التي تنزل به فيها ضروب من المصالح والمنافع التي لا يحصيها علمه ولا فكرته، بل مصلحة العبد فيما كره أعظم منها فيما يحب ... ) [4] .
ويقول أيضًا: ( .. فكل ما تراه في الوجود ـ من شر وألم وعقوبة وجدب ونقص في نفسك وفي غيرك ـ فهو من قيام الرب(تعالى) بالقسط، وهو عدل الله وقسطه، وإن أجراه على يد ظالم، فالمسلط له أعدل العادلين، كما قال (تعالى) لمن أفسد في الأرض: (( بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بًَاسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ ) ) [الإسراء: 5] [5] .
(1) مفتاح دار السعادة، جـ 2، ص 90 باختصار، وانظر: طريق الهجرتين، ص 43، ومدارج السالكين، جـ 1، ص 420، جـ 3، ص 351، والفوائد، ص 63.
(2) حلية الأولياء، لأبي نعيم، جـ 9، ص 263.
(3) الفوائد، ص 150.
(4) السابق، ص 85.
(5) مدارج السالكين، جـ 1، ص 425.