الصفحة 7 من 47

فأي توكل لمن يعتقد أن الله لا يعلم جزئيات العالم سفليه وعلويه، ولا هو فاعل باختياره، ولا له إرادة ومشيئة، ولا يقوم به صفة؟ فكل من كان بالله وصفاته أعلم وأعرف، كان توكله أصح وأقوى، والله سبحانه وتعالى (أعلم) [1] .

وحسن الظن بالله والثقة به تعالى عبادة جليلة تقوم على فقه أسماء الله وصفاته، كالحكمة والقدرة .. ، كما أن سوء الظن بالله من آثار إنكار أسماء الله تعالى وصفاته.

يقول ابن القيم:(وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله، وأسماءه وصفاته، و موجب حكمته وحمده.

ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تَعنتًا على القدَر وملامة له ... وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك هل أنت سالم؟) [2] .

ـ وأشار الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله إلى أن أصول العبادة الثلاثة (الحبّ، والرجاء، والخوف) من آثار وثمرات التعبد بأسماء الله وصفاته، فقال ـ في مسائل ذكرها في تفسير سورة الفاتحة ـ: (أركان الدين: الحب، والرجاء، والخوف، فالحب في الأولى، وهي(( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ ) )، والرجاء في الثانية، وهي (( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) )، والخوف في الثالثة، وهي (( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) )) [3] .

ـ إذا ظهر بهذه الأمثلة مدى التلازم الوثيق بين صفات الله (تعالى) وما تقتضيه من العبادات الظاهرة والباطنة، فيمكن أن نخلص إلى ما حرره ابن القيم بقوله:

(لكل صفة عبوديةٌ خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها، أعني: من موجبات العلم بها والتحقيق بمعرفتها، وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح، فعلم العبد بتفرد الرب(تعالى) بالضرّ والنفع، والعطاء والمنع، والخلق والرزق، والإحياء والإماتة: يثمر له عبودية التوكل عليه باطنًا، ولوزام التوكل وثمراته ظاهرًا، وعلمه بسمعه (تعالى) وبصره، وعلمه أنه لا يخفى عليه مثقال ذرة، وأنه يعلم السر، ويعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور: يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه على كل ما لا يرضي الله، وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه، فيثمر له ذلك: الحياء باطنًا، ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح، ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبره وإحسانه ورحمته توجب له سعة الرجاء ... وكذلك معرفته بجلال

(1) مدارج السالكين، جـ 2، ص 117.

(2) زاد المعاد، جـ 3، ص 229ـ235، بتصرف، وانظر: كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبدالوهاب، باب قوله (تعالى) : (( يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ ) ).

(3) تاريخ ابن غنام، جـ 2، ص 360.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت