يقول ابن القيم ـ في تقرير هذا التلازم ـ: (كل شرك في العالم فأصله التعطيل، فإنه لولا تعطيل كماله ـ أو بعضه ـ وظن السوء به، لما أشرك به، كما قال إمام الحنفاء وأهل التوحيد لقومه:(( أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ(86) فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ العَالَمِينَ )) [الصافات: 86، 87] أي: فما ظنكم به أن يجازيكم وقد عبدتم معه غيره؟، وما الذي ظننتم به حتى جعلتم معه شركاء؟ أظننتم أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان؟ أم ظننتم أنه يخفى عليه شيء من أحوال عباده حتى يحتاج إلى شركاء تعرفه بها كالملوك؟، أم ظننتم أنه لا يقدر وحده على استقلاله بتدبيرهم وقضاء حوائجهم؟ أم هو قاسٍ فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده؟ ... والمقصود أن التعطيل مبدأ الشرك وأساسه، فلا تجد معطلًا إلا وشركه على حسب تعطيله، فمستقلّ ومستكثرٌ) [1] .
ونورد أمثلة في توضيح هذا التلازم والصلة بين توحيد العبادة وتوحيد الأسماء والصفات.
ـ فالدعاء ـ مثلًا ـ هو آكد العبادات وأعظمها, فالدعاء هو العبادة كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهو لا ينفك عن إثبات وفقه أسماء الله (تعالى) وصفاته.
ويشير ابن عقيل إلى هذه الصلة بقوله:(قد ندب الله تعالى إلى الدعاء، وفي ذلك معانٍ:
أحدها: الوجود، فإن من ليس بموجود لا يُدعى.
الثاني: الغنى، فإن الفقير لا يُدعى.
الثالث: السمع، فإن الأصم لا يُدعى.
الرابع: الكرم، فإن البخيل لا يُدعى.
الخامس: الرحمة، فإن القاسي لا يُدعى.
السادس: القدرة، فإن العاجز لا يُدعى) [2] .
والتوكل على الله تعالى وحده شرط في الإيمان، وأجلّ العبادات القلبية، ولا يتحقق التوكل إلا بمعرفة أسماء الله تعالى وصفاته.
وقد وضح ذلك ابن القيم بقوله: (ولا يتم التوكل إلا بمعرفة الربّ وصفاته من قدرته وكفايته وقيوميته وانتهاء الأمور إلى علمه، وصدورها عن مشيئته وقدرته، قال شيخنا - ابن تيمية -(رحمه الله) : ولذلك لا يصح التوكل ولا يتصور من فيلسوف، ولا من القدرية النفاة القائلين بأن يكون في ملكه ما لا يشاء، ولا يستقيم أيضًا من الجهمية النفاة لصفات الربّ جلّ جلاله، ولا يستقيم التوكل إلا من أهل الإثبات.
(1) مدارج السالكين، جـ 3، ص 347، باختصار.
(2) شرح الطحاوية، جـ 2، ص 678.