الصفحة 5 من 47

ومن العمل بها: أن يدعو الله (تعالى) بها؛ كما قال سبحانه: (( وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) ) [الأعراف: 180] ، كما أن من العمل بها: تعظيمها وإجلالها، وتحقيق ما تقتضيه من فِعْل المأمورات وترك المحظورات.

يقول ابن تيمية: (إن من أسماء الله تعالى وصفاته ما يُحمد العبد على الاتصاف به كالعلم والرحمة والحكمة وغير ذلك، ومنها ما يذم العبد على الاتصاف به كالإلهية والتجبر والتكبر، وللعبد من الصفات التي يُحمد عليها ويؤمر بها ما يمنع اتصاف الربّ به كالعبودية والافتقار والحاجة والذل والسؤال ونحو ذلك) [1] .

وقال ابن القيم: (لما كان سبحانه يحبّ أسماءه وصفاته كان أحبّ الخلق إليه من اتصف بالصفات التي يحبها، وأبغضهم إليه: من اتصف بالصفات التي يكرهها، فإنما أبغض من اتصف بالكبر والعظمة والجبروت؛ لأن اتصافه بها ظلم، إذ لا تليق به هذه الصفات ولا تحسن منه؛ لمنافاتها لصفات العبيد، وخروج من اتصف بها من ربقة العبودية، ومفارقته لمنصبه ومرتبته، وتعديه طوره وحدّه، وهذا خلاف ما تقدم من الصفات كالعلم والعدل والرحمة والإحسان والصبر والشكر، فإنها لا تنافي العبودية، بل اتصاف العبد بها من كمال عبوديته، إذ المتصف بها من العبيد لم يتعد طوره، ولم يخرج بها من دائرة العبودية) [2] .

وقال الحافظ ابن حجر أثناء شرحه لحديث (لله تسعة وتسعون اسمًا - مائة إلا واحدًا - من أحصاها دخل الجنة) [3] :

(وقيل: معنى أحصاها: عمل بها، فإذا قال:(الحكيم) ، مثلًا، سلّم جميع أوامره، لأن جميعها على مقتضى الحكمة، وإذا قال: (القدوس) ، استحضر كونه منزهًا عن جميع النقائص، وهذا اختيار أبي الوفا بن عقيل. وقال ابن بطّال: طريق العمل بها: أن الذي يسوغ الاقتداء به فيها كالرحيم والكريم: فإن الله يحب أن يرى حلاها على عبده، فليمرًن العبد نفسه على أن يصح له الاتصاف بها، وما كان يختص بالله (تعالى) كالجبار والعظيم فيجب على العبد الإقرار بها، والخضوع لها، وعدم التحلي بصفة منها، وما كان فيه معنى الوعد نقف منه عند الطمع والرغبة، وما كان فيه معنى الوعيد: نقف منه عند الخشية والرهبة) [4] .

ومما يستحق تقريره - هاهنا - أن تلازمًا وثيقًا بين إثبات الأسماء والصفات لله تعالى وبين توحيد الله تعالى بأفعال العباد، فكلما حقّقَ العبد أسماء الله وصفاته علمًا وعملًا، كلما كان أعظم وأكمل توحيدًا، وفي المقابل فإن هناك تلازمًا وطيدًا بين إنكار الأسماء أو الصفات وبين الشرك.

(1) الصفدية، جـ 2، ص 338.

(2) طريق الهجرتين، ص 129.

(3) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب 12، وكتاب الشروط، باب 18، وكتاب الدعوات، باب 68.

(4) فتح الباري، جـ 11، ص 229.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت