الصفحة 9 من 47

وفي ختام هذه المقالة نسوق أمثلة من أسماء الله (تعالى) ، وبيان معانيها وما تقتضيه من العبادات، يقول قوام السنة الأصفهاني ـ أثناء حديثه عن اسم الله (تعالى) (الرزاق) ـ:

(الرزاق: المتكفل بالرزق، والقائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها، وَسِعَ الخلقَ كلهم رزقُه، فلم يخص بذلك مؤمنًا دون كافر، ولا وليًّا دون عدو، ويرزق مَنْ عبده ومَنْ عبد غيره، والأغلب من المخلوق أن يرزق فإذا غضب منع، حكي أن بعض الخلفاء أراد أن يكتب جِراية لبعض العلماء، فقال: لا أريده، أنا في جراية من إذا غضب عليّ لم يقطع جرايته عني، قال الله(تعالى) : (( وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإيَّاكُمْ ) ) [العنكبوت: 60] ، والمخلوق إذا رزق، فإنه يفنى ما عنده فيُقْطعُ عطاؤه عمن أفضل عليه، فإن لم يفن ما عنده فني هو وانقطع العطاء، وخزائن الله لا تنفد وملكه لا يزول .. ) [1] .

ـ ولما ذكر القرطبي من أسماء الله (تعالى) (الحفيظ) محتجًّا بقوله (تعالى) : (( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ ) ) [الشورى: 6] ، قال: (يجب على كل مكلف أن يعلم أن الله هو الحافظ لجميع الممكنات، وأعظم الحفظ: حفظ القلوب وحراسة الدين عن الكفر والنفاق وأنواع الفتن وفنون الأهواء والبدع؛ حتى لا يزلّ عن الطريقة المثلى، قال(تعالى) : (( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ) ) [ابراهيم: 27] .

ويجب علينا حفظ حدوده، وحفظ ما وجب علينا من حقوقه، فيدخل في ذلك: معرفة الإيمان والإسلام وسائر ما يتعيّن علينا علمه .. ) [2] .

ومن إشراقات ابن القيّم التي سطرها أثناء حديثه عن اسمي الله (تعالى) : (الأول) و (الآخر) ـ مايلي:

(من عبد الله(تعالى) باسمه (الأول) و (الآخر) حصلت له حقيقة هذا الفقر [توجه القلب إلى الله وحده في جميع الأحوال] . فإن عبوديته باسمه (الأول) تقتضي التجرد من مطالعة الأسباب والوقوف أو الالتفات إليها، وتجريد النظر إلى مجرد سبق فضله ورحمته، وأنه هو المبتدئ بالإحسان من غير وسيلة من العبد.

وعبوديته باسمه (الآخر) تقتضي أيضًا عدم ركونه للأسباب، فإنها تنعدم لا محالة وتنقضي بالآخرية، ويبقى الدائم الباقي بعدها، فالتعلق بها تعلق بما يعدم وينقضي، والتعلق بالآخر) (سبحانه) تعلق بالحي الذي لا يموت ولا يزول، فالمتعلّق به حقيق أن لا ينقطع، بخلاف التعلق بغيره مما له آخر يفنى به) [3] .

(1) الحجة في بيان المحجة، جـ 1، ص 138، وانظر: الأسنى للقرطبي، جـ 1، ص 284.

(2) الأسنى، شرح أسماء الله الحسنى، جـ 1، ص 311.

(3) طريق الهجرتين، ص 19، باختصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت