الصفحة 34 من 47

الباطن دبيب الظلمة، إلى أن يمتلئ أفق القلب، فتعمى البصيرة، وأهون العقوبة ما كان واقعًا بالبدن في الدنيا، وربما كانت عقوبة النظر في البصر. فمن عرف لنفسه من الذنوب ما يوجب العقاب فليبادر نزول العقوبة بالتوبة الصادقة عساه يرُدّ ما يَرِد) [1] .

وتحدث شيخ الإسلام ابن تيمية عن عقوبات الشهوة المحرمة، فكان مما قاله: (فأما من استعبد قلبه صورة محرمة: امرأة أو صبي، فهذا هو العذاب الذي لا يَدان فيه، وهؤلاء من أعظم الناس عذابًا وأقلهم ثوابًا؛ فإن العاشق لصورة إذا بقي قلبه متعلقًا بها، مستعبَدًا لها، اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد. ومن أعظم هذا البلاء إعراض القلب عن الله؛ فإن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله والإخلاص له، لم يكن عنده شيء قط أحلى من ذلك، ولا ألذ ولا أطيب) [2] .

وقال أيضًا: (ولا ريب أن محبة الفواحش مرض في القلب؛ فإن الشهوة توجب السّكْر، كما قال ـ تعالى ـ عن قوم لوط:(( إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) ) [الحجر: 72] ، وفي الصحيحين ـ واللفظ لمسلم ـ من حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (العينان تزنيان وزناهما النظر) الحديث إلى آخره. فكثير من الناس يكون مقصوده بعض هذه الأنواع المذكورة في هذا الحديث كالنظر والاستماع والمخاطبة، ومنهم من يرتقي إلى اللمس والمباشرة، ومنهم من يقبّل وينظر، وكل ذلك حرام، وقد نهانا الله ـ عز وجل ـ أن تأخذنا بالزناة رأفة بل نقيم عليهم الحد، فكيف بما هو دون ذلك من هجر وأدب باطن ونهي وتوبيخ وغير ذلك؟ بل ينبغي شنآن الفاسقين وقليهم على ما يتمتع به الإنسان من أنواع الزنا المذكورة في هذا الحديث المتقدم وغيره) [3] .

وتحدّث ابن القيم ـ في غير موضع ـ عن مفاسد الزنا وما يحويه من أنواع الشرور ... فكان مما قاله ـ رحمه الله ـ:(والزنا يجمع خلال الشر كلها من قلة الدين وذهاب الورع، وفساد المروءة وقلة الغيرة، فلا تجد زانيًا معه ورع، ولا وفاء بعهد، ولا صدق في حديث، ولا محافظة على صديق، ولا غيرة تامة على أهله ...

ومن موجباته: غضب الرب بإفساد حرمة عياله، ومنها: سواد الوجه وظلمته وما يعلوه من الكآبة والمقت، ومنها ظلمة القلب وطمس نوره ... ومنها أنه يذهب حرمة فاعله، ويسقط من عين ربه ومن أعين عباده، ومنها أن يسلبه أحسن الأسماء ويعطيه أضدادها. ومنها ضيق الصدر وحرجه؛ فإن الزناة يعاملون بضدّ قصودهم؛ فإن من طلب لذة العيش وطيبه بما حرمه الله عليه عاقبه بنقيض قصده؛ فإن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته، ولم يجعل الله معصيته سببًا إلى خير قط) [4] .

(1) ذم الهوى، ص217.

(2) مجموع الفتاوى، 10/ 187.

(3) مجموع الفتاوى، 15/ 288، 289.

(4) روضة المحبين، ص360.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت