الصفحة 33 من 47

ومن أشد الوسائل ضررًا وشرًا: اختلاط النساء بالرجال؛ فإن هذا الاختلاط أنكى وسيلة في الانغماس في الفواحش والقاذورات، وقد كثر في هذا الزمان من يطالب بهذا الاختلاط ويدعو إليه؛ حيث ينادون بمزاحمة النساء للرجال في جميع المجالات والأعمال، زاعمين أنهم يريدون الخير والإصلاح لمجتمعاتهم، ألا أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون.

قال ابن القيم متحدثًا عن مفاسد الاختلاط: (ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة .. وهو من أسباب الموت العام والطواعين المهلكة. ولما اختلط البغايا بعسكر موسى ـ عليه السلام ـ وفشت فيهم الفاحشة أرسل الله عليهم الطاعون فمات في يوم واحد سبعون ألفًا، والقصة مشهورة في كتب التفسير؛ فمن أعظم أسباب الموت العام كثرة الزنا بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال والمشي بينهم متبرجات متجملات) [1] .

وها هنا أمر مهم بنبغي التنبيه عليه، وهو أن الولع والانكباب على الشهوات سببه ضعف التوحيد، فإن القلب كلما كان أضعف توحيدًا وأقل إخلاصًا لله ـ تعالى ـ كان أكثر فاحشة وشهوة [2] .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ في هذه المسألة ـ: (وهذا [اي العشق والشهوات] إنما يبتلى به أهل الإعراض عن الإخلاص لله الذين فيهم نوع من الشرك، وإلا فأهل الإخلاص، كما قال الله ـ تعالى ـ في حق يوسف ـ عليه السلام ـ:(( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ ) ) [يوسف: 24] فامرأة العزيز كانت مشركة فوقعت ـ مع تزوجها ـ فيما وقعت فيه من السوء، ويوسف ـ عليه السلام ـ مع عزوبته، ومراودتها له، واستعانتها عليه بالنسوة، وعقوبتها له بالحبس على العفة، عصمه الله بإخلاصه له، تحقيقًا لقوله: (( لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82) إلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ )) [ص: 82، 83] ، قال ـ تعالى ـ: (( إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِينَ ) ) [الحجر: 42] والغي هو اتباع الهوى [3] .

إن الافتتان بالنساء والولع بهن يورث أنواعًا من العقوبات والمفاسد في الدنيا والآخرة.

وأشار ابن الجوزي إلى تنوع هذه العقوبات فقال: (اعلم أن العقوبة تختلف: فتارة تتعجل، وتارة تتأخر، وتارة يظهر أثرها، وتارة يخفى. وأطرف العقوبات ما لا يحس بها المعاقَب، وأشدها العقوبة بسلب الإيمان والمعرفة، ودون ذلك موت القلب ومحو لذة المناجاة منه، وقوة الحرص على الذنب ونسيان القرآن، وإهمال الاستغفار، ونحو ذلك مما ضرره في الدين. وربما دبّت العقوبة في

(1) الطرق الحكمية، ص259.

(2) الفوائد، لابن القيم، ص75.

(3) مجموع الفتاوى، 15/ 421.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت