الصفحة 32 من 47

يقول ابن الجوزي محذرًا من إطلاق البصر: (اعلم ـ وفقك الله ـ أن البصر صاحب خبر القلب ينقل إليه أخبار المبصرات، وينقش فيه صورها فيجول فيها الفكر، فيشغله ذلك عن الفكر فيما ينفعه من أمر الآخرة. ولما كان إطلاق البصر سببًا لوقوع الهوى في القلب، أمرك الشارع بغضّ البصر عما يُخاف عواقبه. قال الله ـ تعالى ـ:(( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ) ) [النور: 30] . (( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ) ) [النور: 31] . ثم أشار إلى مُسبب هذا السبب، ونبّه على ما يؤول إليه هذا الشر بقوله: (( وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ) ) [النور: 30] ، (( وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ) ) [النور: 31] ) [1] .

وقد تحدث شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عن النظر المحرم وما يؤول إليه من الوقوع في الفواحش .. بل وقد ينتهي بصاحبه إلى الشرك بالله ـ تعالى ـ فكان مما قاله: (وأما النظر والمباشرة فاللمم منها مغفور باجتناب الكبائر، فإن أصر على النظر أو على المباشرة صار كبيرة، وقد يكون الإصرار على ذلك أعظم من قليل الفواحش؛ فإن دوام النظر بالشهوة وما يتصل به من العشق والمعاشرة والمباشرة أعظم بكثير من فساد زنا لا إصرار عليه؛ ولهذا قال الفقهاء في الشاهد العدل: أن لا يأتي كبيرة، ولا يصر على صغيرة.

بل قد ينتهي النظر والمباشرة بالرجل إلى الشرك، كما قال ـ تعالى ـ: (( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أََندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ) ) [البقرة: 165] ، ولهذا لا يكون عشق الصور إلا من ضعف محبة الله وضعف الإيمان. والله ـ تعالى ـ إنما ذكره في القرآن عن امرأة العزيز المشركة، وعن قوم لوط المشركين) [2] .

وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: (وقد جعل الله ـ سبحانه ـ العين مرآة القلب فإذا غضّ العبد بصره، غضّ القلب شهوته وإرادته، وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته) .

ـ إلى أن قال ـ والنظرة إذا أثّرت في القلب، فإن عجل الحازم وحسم المادة من أولها سهُل علاجه، وإن كرر النظر ونقّب عن محاسن الصورة ونقلها إلى قلب فارغ فنقشها فيه تمكنت المحبة، وكلما تواصلت النظرات كانت كالماء يسقي الشجرة، فلا تزال شجرة الحب تنمو حتى يفسد القلب ويعرض عن الفكر فيما أمر به، فيخرج بصاحبه إلى المحن ويوجب ارتكاب المحظورات والفتن) [3] .

(1) ذم الهوى، ص106.

(2) مجموع الفتاوى، 15/ 292، 293.

(3) روضة المحبين، ص92، 94، 95، باختصار يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت