الصفحة 31 من 47

(وفيها توفي عبده بن عبد الرحيم ـ قبحه الله ـ ذكر ابن الجوزي أن هذا الشقي كان من المجاهدين كثيرًا في بلاد الروم، فلما كان في بعض الغزوات والمسلمون يحاصرون بلدة من بلاد الروم، إذ نظر إلى امرأة من نساء الروم في ذلك الحصن، فهويها، فراسلها: ما السبيل إلى الوصول إليك؟ فقالت: أن تتنصر وتصعد إليّ، فأجابها إلى ذلك، فما راع المسلمين إلا وهو عندها، فاغتم المسلمون بسبب ذلك غمًا شديدًا، وشق عليهم مشقة عظيمة، فلما كان بعد مدة مروا عليه وهو مع تلك المرأة في ذلك الحصن، فقالوا: يا فلان ما فعل قرآنك؟ ما فعل علمك؟ ما فعل صيامك؟ ما فعل جهادك؟ ما فعلت صلاتك؟ فقال: اعلموا أني أُنسيت القرآنَ كله إلا قوله:(( رُّبَمَا يَوَدُّ الَذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ(2) ذَرْهُمْ يًَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ )) [الحجر: 2، 3] وقد صار لي فيهم مال وولد) [1] .

إن الولوغ في الفواحش وارتكابها له وسائل متعددة وأسباب كثيرة، وأدناها: سماع الأغاني؛ فإن الغناء رقية الزنا، وداعية الفاحشة.

وقال يزيد بن الوليد: (يا بني أمية! إياكم والغناء؛ فإنه ينقص الحياء، ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل السّكْر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنّبوه النساء؛ فإن الغناء داعية الزنا) [2] .

قال ابن القيم: (ومن الأمر المعلوم عند القوم أن المرأة إذا استصعبت على الرجل اجتهد أن يُسمعها صوت الغناء، فحينئذٍ تعطي الليان) ؛ وهذا لأن المرأة سريعة الانفعال للأصوات جدًا، فإذا كان الصوت بالغناء صار انفعالها من وجهين: من جهة الصوت، ومن جهة معناه؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنجشة حاديه: (يا أنجشة رويدك، رفقًا بالقوارير) [3] يعني النساء.

(أما إذا اجتمع إلى هذه الرقية الدّف والشبابة والرقص بالتخنث والتكسر، فلو حبلت المرأة من صوت لحبلت من هذا الغناء.

فلعمر الله كم من حرة صارت بالغناء من البغايا، وكم من حرّ أصبح به عبدًا للصبيان أو الصبايا، وكم من غيور تبدّل به اسمًا قبيحًا بين البرايا، وكم من معافى تعرّض له فأمسى وقد حلّت به أنواع البلايا) [4] .

ومن أشد الوسائل فتكًا: النظر المحرم، فكم من نظرة إلى صورة جميلة ـ في السوق أو في شاشة أو مجلة ـ أعقبت فواحش وآلامًا وحسرات. قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: (إذا خاف الفتنة لا ينظر، كم نظرة قد ألقت في قلب صاحبها البلابل) [5] .

(1) البداية، 11/ 64.

(2) انظر: إغاثة اللهفان، 1/ 369.

(3) أخرجه البخاري ومسلم.

(4) إغاثة اللهفان، 1/ 370، 371.

(5) انظر: ذم الهوى، لابن الجوزي، ص116.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت