متلففة في ثيابها، فيصوّر لها في قلبه الحُسن والجمال حتى تعلق بها نفسه من غير رؤية ولا خبر مخبر، ثم لعله يهجم منها على أقبح القبح، وأدمّ الدمامة، فلا يعظه ذلك؛ ولا يقطعه عن أمثالها، ولا يزال مشغوفًا بما لم يذق، حتى لو لم يبق في الأرض غير امرأة واحدة، لظن أن لها شأنًا غير شأن ما ذاق، وهذا هو الحمق والشقاء والسفه).
إن أشد الفتن وأعظمها: الفتنة بالنساء، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء) [1] .
قال الإمام طاووس عند قوله: (( وَخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا ) ) [النساء: 28] ، (إذا نظر إلى النساء لم يصبر) [2] .
وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ (لم يكن كفر من مضى إلا من قِبل النساء، وهو كائن كفر من بقي من قِبل النساء) [3] .
وهاك أخي القارئ حكايتين واقعيتين تكشفان أن من أسباب الكفر بالله: عشق النساء.
فأما الحكاية الأولى:
فقد ساقها أبو الفرج ابن الجوزي بقوله: (بلغني عن رجل كان ببغداد يُقال له: صالح المؤذن، أذّن أربعين سنة، وكان يُعرف بالصلاح، أنه صعد يومًا إلى المنارة ليؤذن، فرأى بنت رجل نصراني كان بيته إلى جانب المسجد، فافتتن بها، فجاء فطرق الباب، فقالت: من؟ فقال: أنا صالح المؤذن، ففتحت له، فلما دخل ضمها إليه، فقالت: أنتم أصحاب الأمانات فما هذه الخيانة؟ فقال: إن وافقتني على ما أريد وإلا قتلتك. فقالت: لا؛ إلا أن تترك دينك، فقال: أنا بريء من الإسلام ومما جاء به محمد، ثم دنا إليها، فقالت: إنما قلت هذا لتقضي غرضك ثم تعود إلى دينك، فكُلْ من لحم الخنزير، فأكل، قالت: فاشرب الخمر، فشرب، فلما دبّ الشراب فيه دنا إليها، فدخلت بيتًا وأغلقت الباب، وقالت: اصعد إلى السطح حتى إذا جاء أبي زوّجني منك، فصعد فسقط فمات، فخرجت فلفّته في ثوب، فجاء أبوها، فقصّت عليه القصة، فأخرجه في الليل فرماه في السكة، فظهر حديثه، فرُمي في مزبلة) [4] .
أما الحكاية الثانية:
ذكر الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ في حوادث سنة ثمان وسبعين ومائتين ما يلي:
(1) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، 274، 2741. والترمذي في الأدب 2780.
(2) انظر: ذم الهوى، لابن الجوزي ص179، وروضة المحبين، ص 203.
(3) انظر: ذم الهوى، لابن الجوزي، ص178، وروضة المحبين ص 197.
(4) ذم الهوى، ص 409.