الصفحة 27 من 47

فما يمثله الإنسان في قلبه من الصور المحبوبة تبتلع قلبه وتقهره، فلا يقدر قلبه على الامتناع منه؛ فيبقى مستغرقًا في تلك الصورة .. والقلب يغرق فيما يستولي عليه: إما من محبوب وإما من مخوف، كما يوجد من محبة المال والجاه والصور؛ والخائف من غيره يبقى قلبه وعقله مستغرقًا كما يغرق الغريق في الماء ... ) [1] .

وقد قال الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ: (من لزم الشهوات لزمته عبودية أبناء الدنيا) [2] .

وإذا كان الإفراط والانهماك في الشهوات مذمومًا شرعًا، كما قال ـ عز وجل ـ: (( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًا ) ) [مريم: 59] ؛ فكذلك اتباع الشهوات مذموم عقلًا؛ فإن العاقل البصير ينظر في عواقب الأمور، فلا يُؤْثِرُ العاجلة الفانية على الآخرة الباقية.

يقول ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ: (اعلم أن مطلق الهوى يدعو إلى اللذة الحاضرة من غير فكر في عاقبة، ويحث على نيل الشهوات عاجلًا، وإن كانت سببًا للألم والأذى في العاجل، ومنع لذّات في الآجل) .

فأما العاقل فإنه ينهى نفسه عن لذةٍ يعقبها ألم، وشهوة تُورث ندمًا، وكفى بهذا القدر مدحًا للعقل وذمًا للهوى.

وإذا عرف العاقل أن الهوى يصير غالبًا، وجب عليه أن يرفع كل حادثة إلى حاكم العقل؛ فإنه سيشير عليه بالنظر في المصالح الآجلة، ويأمره عند وقوع الشبهة باستعمال الأحوط في كف الهوى، إلى أن يتيقن السلامة من الشر في العاقبة) [3] .

وليعلم العبد أن الصبر عن الشهوات ـ وما فيها من الإغراء والبريق والافتتان ـ أيسر من الصبر على عواقب الشهوات وآلامها وحسراتها، كما بينه ابن القيم بقوله: (الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة، فإنها إما أن توجب ألمًا وعقوبة، وإما أن تقطع لذة أكمل منها، وإما أن تضيع وقتًا إضاعته حسرة وندامة، وإما أن تثلم عرضًا توفيره أنفع للعبد من ثلمه، وإما أن تُذهب مالًا بقاؤه خير له من ذهابه، وإما أن تضع قدرًا وجاهًا قيامه خير من وضعه، وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة، وإما أن تطرق لوضيع إليك طريقًا لم يكن يجدها قبل ذلك، وإما أن تجلب همًا وغمًا وحزنًا وخوفًا لا يقارب لذة الشهوة، وإما أن تنسي علمًا ذكره ألذ من نيل الشهوة، وإما أن تُشمت عدوًا وتحزن وليًا، وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة، وإما أن تحدث عيبًا يبقى صفة لا تزول؛ فإن الأعمال تورث الصفات والأخلاق) [4] .

(1) مجموع الفتاوى، 10/ 594، 595، بتصرف يسير.

(2) سير أعلام النبلاء 10/ 97.

(3) ذم الهوى، لابن الجوزي، ص36، باختصار.

(4) الفوائد، ص131.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت