الصفحة 26 من 47

ومن لم يكن مقصوده وغايته الله ـ عز وجل ـ؛ فلا بد أن يكون له مقصود ومراد آخر يستعبده، كما وضّح ذلك ابن تيمية بقوله:(الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكبارًا عن عبادة الله؛ كان أعظم إشراكًا بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ـ تعالى ـ ازداد فقرًا وحاجة إلى المراد المحبوب الذي هو المقصود.

فلا بد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته؛ فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته بل استكبر عن ذلك؛ فلا بد أن له مرادًا محبوبًا يستعبده غير الله، فيكون عبدًا لذلك المراد المحبوب: إما المال، وإما الجاه، وإما الصور، وإما ما يتخذه إلهًا من دون الله) [1] .

والناظر إلى واقعنا الحاضر يرى أنواعًا من التعلق بالشهوات والافتتان بها، فما أكثر المسلمين الذين أشربوا حب الشهوات من النساء والأموال، والملبوسات والمركوبات، والمناصب والرياسات، والولع بالألعاب والملاهي.

وهذه المقالة تتحدث عن جملة من تلك الشهوات التي استحكمت بأفئدة كثير من الناس وعقولهم.

ولعل من المناسب أن نتحدث ابتداءً عن الموقف الصحيح تجاه الشهوات إجمالًا قبل الحديث عن بعض أفرادها تفصيلًا.

إن المسلك العدل إزاء الشهوات وسط بين مسلك أهل الفجور والفواحش، ومسلك أصحاب الرهبانية والتشدد؛ فأهل الفجور أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات؛ وأهل الرهبانية حرّموا ما أحل الله من الطيبات. ودين الله ـ عز وجل ـ يراعي أحوال الناس، ويدرك ما هم عليه من الغرائز والشهوات؛ لذا فهو يبيحها ويعترف بها، لكنه يضبطها ويهذبها.

يقول ابن القيم ـ مقررًا هذه الوسطية ـ: (لما كان العبد لا ينفك عن الهوى ما دام حيًا ـ فإن هواه لازم له ـ كان الأمر بخروجه عن الهوى بالكلية كالممتنع، ولكن المقدور له والمأمور به أن يصرف هواه عن مراتع الهَلَكة إلى مواطن الأمن والسلامة؛ مثاله أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ لم يأمره بصرف قلبه عن هوى النساء جملة؛ بل أمره بصرف ذلك إلى نكاح ما طاب له منهن من واحدة إلى أربع، ومن الإماء ما شاء، فانصرف مجرى الهوى من محل إلى محل، وكانت الريح دبورًا فاستحالت صبًا ... ) [2] .

واتباع الشهوات والانكباب عليها يؤول إلى استيلائها على القلب، فيصير القلب عبدًا وأسيرًا لتلك الشهوات، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن المتبعين لشهواتهم من الصور والطعام والشراب واللباس يستولي على قلب أحدهم ما يشتهيه حتى يقهره ويملكه، ويبقى أسير ما يهواه يصرفه كيف تصرّف ذلك المطلوب.

(1) العبودية ص112 - 114، بتصرف، وانظر: مجموع الفتاوى 10/ 185 - 187، والفوائد لابن القيم ص 186.

(2) روضة المحبين، ص11، وانظر: ذم الهوى، لابن الجوزي، ص35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت