الصفحة 18 من 47

ولو حصل للعبد لذّات أو سرور بغير الله فلا يدوم ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، و يتنعم بهذا في وقت وفي بعض الأحوال وتارة أخرى يكون ذلك الذي تنعم به والتذ به غير منعم له ولا ملتذ به، بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنه، ويضره ذلك. وأما إلهه فلا بد له منه في كل حال وكل وقت، وأينما كان فهو معه) [1] .

ويقول ابن القيم - مقررًا تلك الحاجة: (اعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا في محبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في الحلف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم، والسجود والتقرب، أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها، بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به؛ فإن حقيقة القلب روحه وقلبه، ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره .. ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له، ورضاه وإكرامه لها) [2] .

وأما عن تعريف العبادة، فالعبادة لغةً: من الذلّ، يقال: بعير معبّد، أي مذلل.

وقد تنوّعت أقوال العلماء في تعريف العبادة:

فقال ابن جرير: (معنى العبادة الخضوع لله بالطاعة، والتذلل له بالاستكانة) [3] ، وفسّر ابن عباس - رضي الله عنهما - العبادة بالتوحيد [4] .

وقال القاضي أبو يعلى: (حقيقة العبادة هي الأفعال الواقعة لله - عز وجل - على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع المتجاوز لتذلل بعض العباد) [5] .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة) [6] .

وفصّل ابن القيم التعريف السابق بقوله: (وبنى(إياك نعبد) على أربع قواعد: التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان والقلب، وعمل القلب والجوارح. فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الأربع، فأصحاب (إياك نعبد) حقًا هم أصحابها، فقول القلب: هو اعتقاد ما أخبر الله - سبحانه - به عن نفسه، وعن أسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته ولقائه على لسان رسله.

وقول اللسان: الإخبار عنه بذلك، والدعوة إليه والذبّ عنه وتبين بطلان البدع المخالفة له، والقيام بذكر وتبليغ أوامره.

(1) مجموع الفتاوى، 1/ 24، 25، وانظر مجموع الفتاوى، 28/ 32.

(2) طريق الهجرتين، ص 57.

(3) تفسير ابن جرير، 1/ 160.

(4) انظر تفسير ابن جرير، 1/ 160.

(5) المعتمد في أصول الدين، ص 103.

(6) العبودية، ص 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت