الصفحة 19 من 47

وعمل القلب: كالمحبة له، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والخوف منه، والرجاء له، وإخلاص الدين له، والصبر على أوامره، وعن نواهيه، وعلى أقداره، وغير ذلك من أعمال القلوب.

وأعمال الجوارح: كالصلاة والجهاد، ومساعدة العاجز والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك) [1] .

وقال بعضهم: (العبادة ما أمر به شرعًا من غير اطِّراد عرفي ولا اقتضاء عقلي) [2] .

وبالنظر إلى هذه التعريفات المتعددة فإن الخلاف بينها يكاد أن يكون من خلاف التنوع؛ وذلك أن العبادة قائمة على أصلين كبيرين، وهما: غاية الخضوع وكماله، وغاية الحبّ وكماله. فعرّف ابن جرير وأبو يعلى العبادة بالخضوع - والسلف قد يعرِّفون الشيء ببعض أفراده - ومرادهم بالخضوع هاهنا ما كان مقترنًا بالمحبة والتعظيم كما هو ظاهر عبارة أبي يعلى في قوله: (نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع) فنهاية الخضوع وكماله لا تتحقق إلا بالمحبة والتعظيم.

وأما ابن تيمية وابن القيم فقد عرّفا العبادة بما يحبه الله ويرضاه باعتبار أن العبادة هي أعلى مراتب الحبّ .. ولذا يقول ابن تيمية: (فأصل المحبة المحمودة التي أمر الله بها، وخَلقَ خلقه لأجلها، هي ما في عبادته وحده لا شريك له؛ إذ العبادة متضمنة لغاية الحب بغاية الذل) [3] .

وأما تعريف ابن عباس - رضي الله عنهما - للعبادة بالتوحيد، فهو اعتبار العبادة المقبولة، فلا تقبل العبادة عند الله - تعالى - إلا بتحقيق التوحيد، وأما العبادة من حيث هي فهي أعم من كونها توحيدًا عامًا مطلقًا، فكل موحد عابد لله - تعالى -، وليس كل من عبد الله - تعالى - يكون موحدًا [4] .

وأما من عرّف العبادة بما أمر به شرعًا من غير اطِّراد عرفي ولا اقتضاء عقلي، فهو باعتبار أن الشرع هو مورد العبادة وضابطها، فلا تخضع العبادة لاطراد العرف، بل قد تكون مضادة لعوائد وأعراف، كما أن العبادة لا تخضع لاقتضاء العقل واستحسانه؛ فمن العبادات الشرعية ما تكون محيّرة للعقول , والله أعلم.

ومن قواعد هذا الموضوع: الحبّ الخلي عن ذل، والذل الخلي عن حبّ لا يكون عبادة؛ فالعبادة ما يجمع كمال الأمرين: كمال الحبّ وغايته، وكمال الذلّ وغايته.

(1) مدارج السالكين، 1/ 100، 101 باختصار يسير.

(2) مجموعة التوحيد (رسالة في تعريف العبادة لأبي بطين) ، ص 400.

(3) قاعدة في المحبة (ضمن جامع الرسائل) ، 2/ 196، وانظر مدارج السالكين، 3/ 28.

(4) انظر مجموعة التوحيد، ص 401.

(*) أي غير مُدْرَكة حكمتها للعقول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت