ووصف الله تعالى أكرم خلقه عليه وأعلاهم عنده منزلة صلى الله عليه وسلم بالعبودية في أشرف مقاماته، فقال تعالى: (( تَبَارَكَ الَذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ) ) [الفرقان: 1] ، وقال - سبحانه: (( سُبْحَانَ الَذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إلَى المَسْجِدِ الأَقْصَا ) ) [الإسراء: 1] .
وجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- إحسان العبودية أعلى مراتب الدين، وهو الإحسان، فقال في حديث جبريل - وقد سأله عن الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك) أخرجه مسلم [1] .
يمكن أن نخلص من خلال هذه المقدمة إلى قاعدة، وهي: أن كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله تعالى، فأكرم ما يكون العبد عند الله تعالى كلما كان أعظم عبادة وخضوعًا لله - عز وجل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: (كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله - تعالى -، وكلما ازداد العبد تحقيقًا للعبودية ازداد كماله وعلت درجته) [2] .
ويقول في موضع آخر: (والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقارًا إليه وخضوعًا له، كان أقرب إليه، وأعزّ له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق: أعظمهم عبودية لله، وأما المخلوق فكما قيل: احتجْ إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره. فأعظم ما يكون العبد قدرًا وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم، كنت أعظم ما يكون عندهم، ومتى احتجت إليهم - ولو في شربة ماء - نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته، ليكون الدين كله لله ولا يُشرَك به شيء) [3] .
وها هنا قاعدة أخرى، وهي أن حاجة الإنسان وضرورته إلى عبادة الله - تعالى - فوق كل حاجة وضرورة.
يقول ابن تيمية - في هذا الصدد: (اعلم أن فقر العبد إلى الله أن يعبد الله لا يشرك به شيئًا، ليس له نظير فيقاس به، لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الطعام والشراب، وبينهما فروق كثيرة.
فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، وهي لا صلاح لها إلا بإلهها، الله الذي لا إله إلا هو فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحًا فملاقيته، ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بلقائه.
(1) انظر: العبودية لابن تيمية، ص 40 ـ 43، ومدارج السالكين 1/ 101 ـ 103.
(2) العبودية، ص 80.
(3) مجموع الفتاوى، 1/ 39.