وقال يوسف بن أسباط: (من خاف الله خاف منه كل شيء) [1] .
والاستغناء عن الناس من أعظم لوازم توحيد العبادة وآثاره , فمن توجه إلى الله تعالى بصدق الافتقار إليه , وتمام التعلق به , فلم يلتفت قلبه إلى ما سواى الله تعالى , فهو في غاية الاستغناء عن الناس , وأعظم الناس قدرًافي قلوبهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
(والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقار إليه وخضوعًا له , كان أقرب إليه , وأعزّ له , أعظم لقدره , فأسعد الخلق أعظمهم عبودية لله , وأما المخلوق فكما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره, واستعن عمن شئت تكن نظيره , وأحسن إلى من شئت تكن أميره.
فأعظم ما يكون العبد قدرًا وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه , فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم كنت أعظم ما يكون عندهم , ومتى احتجت إليهم - ولو في شربت ماء - نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم , وهذا من حكمة الله ورحمته , لكون الدين كله لله , ولايشرك به شيئًا.
فالربُّ سبحانه أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه وأفقر ما تكون إليه , والخلق أهون ما يكون عليهم أحوج ما يكون إليهم) [2] .
ويقول أيضًا:
(إن اعتماده على المخلوق وتوكله يوجب الضرر من جهته , فإنه يُخذل من تلك الجهة , وهذا معلومٌ بالاعتبار والاستقراء , ما علَّق العبد رجاءه وتوكله بغير الله إلا خاب من تلك الجهة , ولا استنصر بغير الله إلا خُذل , وقال تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا {81} كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا {82} [3] [4] .
ويقول في موضع ثالث:
(ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه, ولا يستعين إلا به , ولا يتوكل إلا عليه , ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه , ولا يكره إلا ما يبغضه الرب ويكرهه ... فكل ما قوي إخلاص دينه لله كمُلت عبوديته واستغناؤه عن المخلوقات) [5] .
وقد بيّن سلفنا الصالح أن من استغنى عن الناس , فلم يحتج إليهم , وصار همّه وشغله مرضاة ربه تعالى وحده؛ فإن الله يُحوج الناس إليه , ويجعلهم يُقبلون عليه , فتُقضى حاجته ومطالبه , وذلك فضل الله تعالى , والله ذو الفضل العظيم.
وقال مجاهد رحمه الله تعالى: (وإن العبد إذا أقبل على الله تعالى , أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه) [6] .
وقال سفيان بن عيينة: (من استغنى بالله أحوجَ الله إليه الناس) [7] .
(1) كشف الخفاء للعجلوني2/ 344.
(2) مجموع الفتاوى 1/ 39 , 40باختصار , وانظر: 1/ 29, 30, 10/ 598.
(3) سورة مريم , الآيتان: 81,82.
(4) مجموع الفتاوى 1/ 29، وانظر 1/ 51، 10/ 650.
(5) مجموع الفتاوى 10/ 198.
(6) الزهد للإمام أحمد ص 378, وعزاه أبو نعيم في الحلية لمحمد بن واسع 2/ 345.
(7) الآداب الشرعية لابن مفلح 2/ 32.