الصفحة 14 من 47

وكما قيل: (من أحب الله لم يكن شيء عنده آثر من رضاه , ومن أحب الدنيا لم يكن شيء عنده آثر من هوى نفسه) [1] .

إن من تعلّق قلبه بالله وحده , وصارت غايته مرضاة ربه تعالى , وكانت الآخرة همه , فإنه يسلم من داء الحسد , فإن منشأ الحسد حبُّ الدنيا , فإن الدنيا هي التي تضيق على المتزاحمين , وأما الآخرة فلا ضيق فيها [2] ...

ومن الآثار السلوكية للتوحيد: الشجاعة والإقدام , فكلما زاد وعظم توحيد الله تعالى في نفس العبد , كلما زاد شجاعة وإقدامًا. ولما كان الخليلان - نبينا محمد صلى الله عليه وسلم , وإبراهيم عليه السلام - أعظمَ الناس توحيدًا , فكان في غاية الشجاة والإقدام.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس , وكان أجود الناس , وكان أشجع الناس , ولقد فزع الناس ذات ليلة , فانطلق ناس قبل الصوت , فتلقَّاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعًا , وقد سبقهم إلى الصوت , وهو على فرس لأبي طلحة عُرى , في عنقه السيف , وهو يقول: (لم تراعوا , لم تراعوا) [3] .

حسبك من شجاعة إبراهيم الخليل عليه السلام أنه تحدى النمرود , وكسر أصنام قومه , وقال لهم: (أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) [4]

وقال لمناظريه من المشركين: (وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) [5] .

وفي المقابل فإن الشرك سبب الرعب والخوف كما قال عز وجل: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) [6] .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكذلك المشرك يخاف المخلوقين , ويرجوهم فيحصل له الرعب , كما قال تعالى:(سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) . الخالص من الشرك يحصل له الأمن كما قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) [7] وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم هنا الظلم بالشرك [8] .

وأشار الفضيل بن عياض رحمه الله إلى ذلك بقوله: من حاف الله لم يضره أحد , ومن خاف غير الله لم ينفعه أحد.

وقال يحيى بن معاذ الرازي: على قدر خوفك من الله يهابك الخلق [9] .

(1) انظر كلمة الإخلاص لابن رجب ص32.

(2) مختصر منهاج القاصدين لأحمد بن قدامة ص 188.

(3) أخرجه مسلم 2307 , وأصله في صحيح البخاري 2857.

(4) سورة الأنبياء, الآية: 67.

(5) سورة الأنعام , الآية: 81.

(6) آل عمران , الآية:151.

(7) سورة الأنعام, الآية:82.

(8) مجموع الفتاوى 10/ 257 , وانظر 28/ 35.

(9) حلية الأولياء 8/ 240 , وانظر صفة الصفوة 3/ 208.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت