الصفحة 13 من 47

بكسر اللام [1] . ومن قرأها بالفتح , فإنه من إخلاص الله إياه , وهو متضمّن لإخلاصه هو بنفسه , فلما أخلص عمله لله , أخلصه الله , وخلصه من السوء والفحشاء) [2] .

يقول ابن القيم في هذا الصدد: (أصول المعاصي كلها كبارها وصغارها ثلاثة: تعلق القلب بغير الله , وطاعة القوة الغضبية , والقوة الشهوانية , وهي الشرك والظلم والفواحش. . ولهذا جمع الله بين الثلاثة في قوله:(وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ) [3] وهذه الثلاثة يدعو بعضها إلى بعض , فالشرك يدعو إلى الظلم والفواحش , كما أن الإخلاص والتوحيد يصرفهما عن صاحبه , قال تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) [4] فالسوء العشق , والفحشاء الزنا. . ولهذا كلما كان القلب أضعف توحيدًا وأعظم شركا ً كان أكثر فاحشة وأعظم تعلقًا بالصور وعشقًا لها) [5] .

وقد أشار الحسن البصري رحمه الله إلى هذا التلازم , فقال الحسن للفرزدق وهو يدفن امرأته: ما أعددت لهذا اليوم؟ قال الفرزدق: شهادة أن لا اله إلا الله منذ ستين سنة , قال الحسن: نعم العدة , لكن لـ (لا اله إلا الله) شروطًا , فإياك وقذف المحصنة [6] .

ولما سئل الجنيد رحمه الله: بم يستعان على غض البصر؟ فقال: (بعلمك أن نظر الله إليك أسبق من نظرك إليه) [7]

ومن الجوانب السلوكية الناشئة عن هذا التوحيد: سلامة الصدر من الغل والحسد , كما في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (نضّر الله امرءًا سمع مقالتي فبلّغها , فرُبّ حامل فقه غير فقيه , وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه. ثلاث لايغلُّ عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله , والنصح لأئمة المسلمين , ولزوم جماعتهم) [8] .

فهذه الخلال يصتصلح بها القلوب فمن تمسَّك طهُر قلبه من الغلّ والحسد [9] .

وفي المقابل فإن التوحيد سبب في دفع شر الحساد وأذاهم , وكما قال ابن القيّم: (فإذا جرَّد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ماسواه , وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله , بل يفرد الله بالمخافة وقد أمنه منه , وخرج من قلبه اهتمامه به واشتغاله به وفكره فيه , وتجرد لله محبة وخشية وإنابة وتوكلًا واشتغالًا به عن غيره , فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده , وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل , والله يتولى حفظه والدفاع انه , فإنه الله يدافع عن الذين آمنوا) [10] .

(1) وهي قراءة ثابتة مشهورة. انظر: تفسير الطبري 12/ 191,و تفسير ابن الجوزي 4/ 210.

(2) تفسير السعدي 4/ 72.

(3) سورة الفرقان, الآية:68.

(4) سورة يوسف, الآية:24.

(5) الفوائد ص 74, 75 باختصار.

(6) انظر: آداب حسن البصري لابن الجوزي ص 48, وكلمة الإخلاص لابن رجب ص10.

(7) انظر: كلمة الإخلاص لابن رجب ص46.

(8) أخرجه أحمد 5/ 183, والترمذي (2658) , وابن ماجه (243) , انظر مرويات هذا الحديث في كتاب دراسة حديث (نضر الله امرءًا سمع مقالتي) رواية ودراية لعبدالمحسن العبّاد.

(9) انظر: مدارج السالكين 2/ 90 , ودراسة حديث (نضر الله امرءًا سمع مقالتي) لعبدالمحسن العبّاد ص191.

(10) بدائع الفوائد 2/ 274 , وانظر 2/ 269.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت