الصفحة 12 من 47

ولعل السبب في هذه الفجوة بين التوحيد وبين لوازمه السلوكية والأخلاقية ما نسلكه في تعلمنا أو تعليمنا لهذا الموضوع الجليل من الفصل بين التوحيد وبين لوازمه ومقتضياته بحجة أن هذا علم التوحيد, وتلك اللوازم تتعلق بعلم السلوك والأخلاق , مما يؤدي إلى عرض التوحيد بعيدًا عن آثاره العملية ومقتضياته السلوكية.

إن هذا العرض الناقص أورث -كما سبق ذكره- جملة من الآثار السلبية المشاهَدة من التهاون في فعل المحرمات وترك الواجبات , وهذا يذكِّرنا بما أورثه مسلك الإرجاء في باب الإيمان من الجرأة على انتهاك المحارم والتعدي على حدود الله تعالى؛ لأن الإيمان عند المرجئة هو التصديق , والعمل خارج مسمى الإيمان , ومن ثم يتعين تقرير التلازم بين الباطن والظاهر , والتوحيد والسلوك , كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد , ألا وهي القلب) [1] , فلا يكون الظاهر مستقيمًا إلا مع استقامة الباطن [2] .

كما أن إهمال تلك الجوانب العملية وإغفالها صيّر هذا التوحيد مجرد جوانب معرفية فقط , مع أن توحيد العبادة هو توحيد الإرادة والطلب , فهو تعلق القلب بالله تعالى , ومحبة الله تعالى وإجلاله وتعظيمه , فالإله هو الذي تألهه القلوب محبة وخضوعًاَ وخوفًاَ ورجاءً.

فكما أن الإيمان ليس تصديقًا فحسب , فكذا التوحيد ليس توحيدًا خبريًا علميًا فحسب , فالواجب أن نحقق التوحيد العملي - توحيد العبادة - بلوازمه ومقتضياته.

وبعد هذه التوطئة المهمة أذكر جملة من الآثار السلوكية والتي تعد من لوازم توحيد العبادة ومقتضياته , وللقارئ الكيِّس أن يُعنى بها , فإن كانت متحققة في واقعه فهذا هو المقصود , وإن كانت الأخرى فعليه بالمجاهدة وصدق الإنابة إلى الله تعالى.

فمن الآثار السلوكية لهذا التوحيد: العفاف والطهاة من الفواحش والقاذورات.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا المقام: (ولهذا لما كان يوسف عليه الصلاة والسلام محبًا لله تعالى مخلصًا له الدين لم يُبْتلَ بذلك , بل قال تعالى:(كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) [3] . وأما امرأة العزيز فكانت مشركة هي وقومها , فلهذا ابتليت بالعشق , وما يبتلى بالعشق أحد إلا لنقص توحيده وإيمانه , وإلا فالقلب المنيب إلى الله تعالى يصرف عن العشق) [4] .

ويقول العلامة عبد الرحمن السعدي:

(من دخل الإيمان قلبه , وكان مخلصًا لله في جميع أموره فإن الله يدفع عنه ببرهان إيمانه وصدق إخلاصه , من أنواع السوء والفحشاء , وأسباب المعاصي , ما هو جزاء لإيمانه وإخلاصه , لقوله تعالى:(وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) على قراءة من قرأها

(1) أخرجه البخاري ومسلم.

(2) انظر: مجموع الفتاوى لابن 18/ 272، 7/ 645، الأصفهانية ص 142.

(3) سورة يوسف الآية:24.

(4) مجموع الفتاوى 10/ 135 , وانظر: 10/ 593 - 597.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت