الصفحة 11 من 47

وقد بيّن أهل العلم الربانيون وجوب فعل المأمورات وترك المحظورات، وأن ذلك من لوازم التوحيد ومقتضياته، وأن الوقوع في فعل المحرمات وترك الواجبات يؤول إلى خلل في التوحيد, فالمعاصي بريد الكفر.

يقول ابن القيم رحمه الله: (التوحيد ألطف شيء وأنزهه وأنظفه وأصفاه، فأدنى شيء يخدشه ويدسنه ويؤثر فيه، فهو كأبيض ثوب يكون يؤثر فيه أدنى أثر، و كالمرآة الصافية جدًا أدنى شيء يؤثر فيها، ولهذا تشوشه اللحظة واللفظة والشهوة الخفية، فإن بادر صاحبه وقلع ذلك الأثر بضده، وإلا استحكم وصار طبعًا يتعسَّر عليه قلعه) [1] .

ويقرر ابن القيّم أن من قوي توحيده فحقق معنى لا إله إلا الله؛ فإنه يخلص من الشهوات والشبهات، فيقول: (كلما عظم نور هذه الكلمة- لا إله إلا الله - وأشتدّ أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته، حتى أنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معه شبة ولا شهوة ولا ذنبًا إلا أحرقه، وهذا حال الصادق في توحيده، الذي لم يشرك بالله شيئًا، فأي ذنب أو شهوة أو شبهة دنت من هذا النور أحرقها، فسماء إيمانه قد حُرست بالنجوم من كل سارق لحسناته، فلا ينال منها السارق إلا على غرَّة وغفلة لابد منها للبشر، فإذا استيقظ وعلم ما سُرق منه استنقذه من سارقه، أو حصَّل أضعافه بكسبه، فهو هكذا أبدًا مع لصوص الجن والإنس، ليس كمن فتح لهم خزانته وولَّى الباب ظهره) [2] .

وعندما يصر الكثير من المسلمين على فعل المعاصي ظانين أن ذلك لا يخدش توحيدهم، وأنهم لم يشركوا بالله شيئًا، فإن ابن القيم يقول في الرد على هؤلاء -أثناء توضيحه لمعنى الحديث القدسي-: (يا ابن آدم، لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقُرابها مغفرة) [3] .

(اعلم أن هذا النفي العام للشرك- أن لا يشرك بالله شيئًا ألبتة- لا يصدر من مُصرّ على معصية أبدًا، ولا يمكن مدمن الكبيرة والمصرّعلى الصغيرة أن يصفوا له التوحيد، حتى لا يشرك بالله شيئًا. هذا من أعظم المحال. ولا يُلتفت إلى جدليّ لاحظّ له من أعمال القلوب، بل قلبه كالحجر أو أقسى، يقول: وما المانع؟ وما وجه الإحالة؟.

فدع هذا القلب المفتون بجدله وجهله، واعلم أن الإصرار على المعصية يوجب من خوف القلب من غير الله، و رجائه لغير الله، وحبه لغير الله، وذله لغير الله، وتوكله على غير الله، ما يصير به منغمسًا في بحار الشرك، والحاكم في هذا ما يعلمه الإنسان من نفسه إن كان له عقل، فإن ذلّ المعصية لابد أن يقوم بالقلب فيورثه خوفًا من غير الله، وذلك شرك، ويورثه محبة لغير الله، واستعانة بغيره في الأسباب التي توصله إلى غرضه، فيكون عمله لا بالله ولا لله، وهذا حقيقة الشرك) [4] .

(1) الفوائد ص 184.

(2) مدارج السالكين 1/ 330 , وانظر جامع العلوم والحكم لابن رجب 1/ 524 , وكلمت الإخلاص لابن رجب ص 19 - 26.

(3) أخرجه أحمد 5/ 154 , والترمذي (3534) , والدرامي (2791) .

(4) مدارج السالكين 1/ 326 , 327.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت