الصفحة 74 من 597

وقد ذكر الله تعالى في كتابه أن للمشركين أعمالًا، وأن بعضهم عنده من شعب الإيمان أشياء لم تنفي عنه الشرك كما قال: (( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) )

وبين في موضع آخر أن الشرك محبط لجميع تلك الأعمال فقال تعالى: (( ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ) ).

ومعلوم ان الإنسان يدخل الإسلام بالإقرار بالشهادتين ثم لا يستمر إسلامه ولا تدوم عصمته إلا بالمحافظة على مجموع شعب هي أصل الإيمان .. بينما يحبط ذلك كله بسبب واحد من أسباب الكفر.

ومن الأدلة الواضحة على أن هذا الأمر ليس من الأعذار المقبولة عند الله تعالى ولا هو من موانع التكفير ..

قوله تعالى (( ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) ) [التوبة 65 - 66] .

فإنها نزلت في شأن أناس كانوا من المصلين المقرين بالشهادتين قد خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم مجاهدين في غزوة هي من أشهر وأعسر غزوات المسلمين .. ثم لما قالوا ما قالوا من أسباب الكفر وهو الاستهزاء بالنبي وأصحابه من حملة القرآن؛ كفرهم الله بهذا السبب، ولم يمنع من تكفيرهم إقراراهم بالشهادتين ولا الصلاة ولا الجهاد ولا غيره من شعب الإيمان التي كانت عندهم ..

وعلى هذا فلو نطق المرتد الذي كفر بسبب نصرته للشرك والمشركين للشهادتين حال قتاله، لم يعصم ذلك دمه ولم يمنع من قتله لأنه لم يكفر بالامتناع عن الإقرار بها كي يقاتل عليها، وحتى يكون حكمه حكم من قتله أسامة بن زيد لما قالها .. بل هو يقولها ويقر بها ليل نهار، وربما كان من المصلين، فليس هذا سبب كفره الذي قوتل عليه، و إنما سبب كفره الذي قوتل عليه هو تولي ونصرة القوانين وأهلها على الموحدين، فلا يصير مسلمًا حتى ينخلع ويبرأ من هذا السبب ويتوب منه، فبذلك يرجع إلى الإسلام، إذ هذا هو الباب الذي خرج منه، فمنه يرجع ما دام مقرًا بسائر الأبواب ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت