ولذلك نص العلماء في قواعدهم الشرعية كما قال القرافي (684هـ) : (ان كل جهل يمكن المكلف دفعه، لا يكون حجة للجاهل) أنظر الفروق (4/ 264) وأيضًا (2/ 149 - 151) .
ويقول ابن اللحام: (جاهل الحكم إنما يعذر إذا لم يقصر أو يفرط في تعلم الحكم، أما إذا قصر أو فرط فلا يعذر جزمًا) أهـ القواعد والفوائد الأصولية ص (58) .
هذا واعلم أن مانع الجهل فيه تفصيل يطول، وقد صنف فيه أهل عصرنا المصنفات، ما بين إفراط وتفريط، وقد نفاه أقوام بالكلية، فأخطأوا، وكفّروا من لم يكفره الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ..
ووسعه آخرون فتعدوا حدود الله فيه، حتى عذروا المرتدين المعاندين، والكفرة المعرضين عن دين الله، أولئك الذين جهلوا دين الله بكسبهم وإعراضهم عنه، واستحبابهم الحياة الدنيا وزخرفها .. فتراهم أعلم الناس في كل ما دق وجل من أمورها وقشورها، بينما لا يرفعون رأسًا بتعلم أهم وأول ما افترض الله على ابن آدم تعلمه، هذا مع توفر مظنة العلم، والكتاب والسنة بين أيديهم -كما قلنا- فهم ممن قال الله تعالى عنهم (( يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) ).
• وإنما الذي يعذر ويعتبر في حقه هذا المانع كمانع من موانع التكفير، من كان عنده أصل التوحيد لكن خفيت عليه بعض المسائل التي قد تشكل أو تخفى أو تحتاج إلى تعريف وبيان، ومن جنس ذلك باب أسماء الله وصفاته، فقد دلت أدلة الشرع على عذر المخطئ فيها من أهل التوحيد، وعدم جواز تكفيره إلا بعد إقامة الحجة بالتعريف والبيان ..
• كما في حديث الرجل الذي أسرف على نفسه فلم يعمل خيرًا قط إلا التوحيد (16) ، فأوصى بنيه، عند موته أن يحرقوه ويذروا رماده، وقال لإنْ قدر الله علي ليعذبني عذبًا لا يعذبه أحد من العالمين.