وقد كانوا قالوا من قبل عندما قيل لهم: عودوا إلى طاعة أمير المؤمنين؛"إذا جئتمونا بمثل عمر فعلنا!!"فراسلهم علي رضي الله عنه في الرجوع، فأصروا على الامتناع حتى يشهد على نفسه بالكفر لرضاه بالتّحكيم، ويتوب من خلعه إمرة المؤمنين عن نفسه، قالوا: وإذ لم تكن أمير المؤمنين فأنت أمير الكافرين.
ثم راسلهم أيضًا فهمّوا بقتل رسوله، بل قيل قتلوه (9) ، ثم اجتمعوا على أنّ من لا يعتقد معتقدهم يكفر ويباح دمه وماله وأهله!! وانتقلوا إلى الفعل، فاستعرضوا الناس وقتلوا من اجتاز بهم من المسلمين وأغاروا على سرحهم.
ومرّ عليهم عبد الله بن خباب بن الأرت -وكان واليًا لعلي على بعض تلك البلاد- (10) ومعه جاريته أم ولده، فقالوا له: حدثنا حديثًا سمعته عن أبيك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: سمعت أبي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، فمن استطاع أن يكون مقتولًا، فلا يكونن قاتلًا) فاقتادوه معهم، فبينما هو يسير معهم، إذ لقي بعضهم خنزيرًا لبعض أهل الذمة فضربه بعضهم فشق جلده، فقال له آخر: لم فعلت هذا وهو لذمي؟ فذهب إلى ذلك الذمي فاستحله وأرضاه، وبينا هو معهم إذ سقطت تمرة من نخلة، فأخذها أحدهم فألقاها في فمه، فقال له آخر: بغير إذن ولا ثمن؟ فألقاها ذاك من فمه (11) .
فقال لهم ابن خباب: أنا أعظم حرمة من هذه التمرة!! فأخذوه فذبحوه، شدّ عليه رجل منهم يقال له مسمع بسيفه فقتله .. وعند أبي العباس المبرد في الكامل (2/ 135) : (أنه لمّا لقيهم كان في عنقه مصحف؛ فقالوا: إن هذا الذي في عنقك ليأمرنا أن نقتلك، قال: ما أحيا القرآن فأحيوه، وما أماته فأميتوه) أهـ.
فقتلوه، فجرى دمه فوق ماء النهر كالشراك إلى الجانب الآخر، وقتلوا ولده وجاؤوا إلى امرأته فقالت: إني امرأة حبلى ألا تتقون الله، فذبحوها وبقروا بطنها عن ولدها.