الصفحة 52 من 597

ودليل هذا إجماع الصحابة على اعتبار هذا النوع من التأويل من باب الخطأ الذي غفره الله تعالى بالأدلة المتقدمة - وذلك في حادثة قدامة بن مظعون حيث شرب الخمر مع جماعه مستدلًا بقوله تعالى: (( ليس على الذين أمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ) )93 المائدة، كما روى ذلك عبد الرزاق في مصنفه ... وكان قدامة قد استعمله عمر على البحرين، فلما شهد عليه أبو هريرة وغيره وشهدت معهم امرأة قدامة أيضًا أنه شرب الخمر أحضره عمر وعزله، ولما أراد أن يحده استدل بالآية المذكورة فقال عمر: أخطأت التأويل (أخطأت استك الحفرة) ... قال ابن تيمية في الصارم: (حتى أجمع رأي عمر وأهل الشورى أن يستتاب هو وأصحابه، فإن أقروا بالتحريم جلدوا وإن لم يقروا به كفروا) أهـ ص530 ... ثم إن عمر بين له غلطه وقال له: (أما إنك لو اتقيت لاجتنبت ما حرم عليك، ولم تشرب الخمر .. )

فرجع، ولم يكفره بذلك، بل اكتفى بإقامة حد الخمر عليه، ولم يخالفه أحد من الصحابة بذلك.

وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما من لم تقم عليه الحجة مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام ونحو ذلك، أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر وأمثال ذلك، فإنهم يستتابون وتقام الحجة عليهم فإن أصروا كفروا حينئذ، ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل) أ هـ. مجموع الفتاوي (7/ 609 - 610)

ويقول أيضًا: (فالمتأول والجاهل المعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر، بل قد جعل الله لكل شيء قدرًا) أهـ مجموع الفتاوي (3/ 180)

فمذهب السلف عدم تكفير المتأولين من أهل القبلة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت