وخلاصة القول بعدما تقدم من كلام حول الأحاديث .. إن تعدى حدود الله في هذا الحكم الخطير، مهلكة لا يغامر في اقتحامها إلا رقيق الورع المستخف بدينه .. وإلا فإن في الأحاديث المتقدمة من الوعيد ما فيه رادع لأصحاب القلوب السليمة عن التكلم في هذا الباب إلا عن علم وبصيرة، مع الاحتياط اللازم للدين .. فإن ذنبًا سماه الله على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم كفرًا، ليس كغيرة من الذنوب .. بل إما أن يكون كفرًا على الحقيقة أي مخرج من الملة، على وجه من الوجوه المتقدمة أو يكون بريدًا للكفر يؤدي ويوصل إليه .. أو يكون على أقل تقدير كبيرة من كبائر الذنوب، إذ هذا الوعيد كما تقدم، هو من إمارات الكبيرة، وعلاماتها، وهو من جنس وعيد قاتل المؤمن .. فإذا كان هذا الوعيد بهذه الصورة التي عرفت، قد ورد في تكفير المرء لرجل مسلم واحد .. فكيف يكون فيما يتقحمه بعض المتهورين من رمي عموم جماهير المسلمين بالتكفير، لبعض شبهات عندهم، لا ترقى إلى قوة الأدلة الشرعية .. ؟؟ لا شك أن هذا مع ضلالته وفساده وبطلانه، ينطوي على مرض في القلب، أو غل على المسلمين، أو تيه وعجب بالنفس كي يستثنيها ويستخلصها من بين ألوف بل ملايين مَنْ حكم عليهم بالهلاك، وهو في الحقيقة أهلكهم، كما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكُهم) ورواه مالك وأبو داود، كما ذكر المنذري في الترغيب والترهيب وقال: (وفسره مالك؛ إذا قال ذلك معجبًا بنفسه مزدريًا بغيره، فهو أشد هلاكًا منهم، لأنه لا يدري سرائر الله في خلقه) أهـ.