الثَّلَاثَةُ الْمَرْتَبَةُ فِي الْفَضِيلَةِ، فَفِي النِّهَايَةِ: الْقَرْنُ أَهْلُ كُلِّ زَمَانٍ وَهُوَ مِقْدَارُ التَّوَسُّطِ فِي أَعْمَارِ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ، مَأْخُوذٌ مِنْ الِاقْتِرَانِ، فَكَأَنَّهُ الْمِقْدَارُ الَّذِي يَقْتَرِنُ فِيهِ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي أَعْمَارِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ.
وَقِيلَ: الْقَرْنُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَمَانُونَ، وَقِيلَ: مِائَةٌ، وَقِيلَ: هُوَ مُطْلَقٌ مِنَ الزَّمَانِ، وَهُوَ مَصْدَرُ قَرَنَ يَقْرِنُ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ بِمُدَّةٍ فَقَرْنُهُ - صلى الله عليه وسلم - هُمُ الصَّحَابَةُ، وَكَانَتْ مُدَّتُهُمْ مِنَ الْمَبْعَثِ إِلَى آخِرِ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقَرْنُ التَّابِعِينَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ إِلَى نَحْوِ سَبْعِينَ، وَقَرْنُ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ مِنْ ثَمَّ إِلَى نَحْوِ الْعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَفِي هَذَا الْوَقْتِ ظَهَرَتِ الْبِدَعُ ظُهُورًا فَاشِيًا، وَأَطْلَقَتِ الْمُعْتَزِلَةُ أَلْسِنَتَهَا، وَرَفَعَتِ الْفَلَاسِفَةُ رُءُوسَهَا، وَامْتُحِنَ أَهْلُ الْعِلْمِ لِيَقُولُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَتَغَيَّرَتِ الْأَحْوَالُ تَغَيُّرًا شَدِيدًا، وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ فِي نَقْصٍ إِلَى الْآنَ وَظَهَرَ مِصْدَاقُ قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم: (ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَثُمَّ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ الْأَفْضَلَ، فَالْأَفْضَلُ عَلَى أَنَّهُ بَيَانٌ لِتَرَاخِي الرُّتْبَةِ فِي النُّزُولِ وَالْخَيْرِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا، أُطْلِقَ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ مَعْنَى التَّفْضِيلِ مِنْ الِاشْتِرَاكِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى حَدٍّ يَرْتَفِعُ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ، فَيَخْتَصُّ بِالْمَوْصُوفِ، فَلَا يَدْخُلُ مَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ: (ثُمَّ إِنَّ بَعْدَهُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ) :فَهُوَ حِينَئِذٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَصْحَابُ