اعلم أخا الإيمان أن الناس اليوم في غربة وبعض الناس لا يشعر في هذه الغربة ولذلك هم بحاجة إلى معرفة التوحيد أكثر احتياجًا من الماء البارد وقت الظمأ. لأن كثيرًا من الناس في سائر البلدان قد تلبسوا بالشرك وهم لا يشعرون. والبعض الآخر خصوصًا الحكّام استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير وحكموا غير شرع الله ورضوا بالقوانين الوضعية ووالوا أهل الشرك وقربوهم وعظموهم من أجل أطماع دنيوية فصدق فيهم قوله صلى الله عليه وسلم:"يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا يبيع دينه بعرض من الدنيا" [1] .
وأكثر الذين يدعون أن الناس ليسوا بحاجة إلى التوحيد الجهال الذين لا يعرفون حقيقة التوحيد. بل رضوا بما وجدوا عليه أباءهم من العادات والتقاليد خصوصًا إذا سلمت لهم مآكلهم ومشاربهم.
وهؤلاء مطالبون بالإفاقة من رقدتهم وعليهم أن يوسعوا نطاقهم فينظروا يمينًا وشمالًا ماذا يجري على سطح الأرض من المنكرات.
الدّين غيِّر معظمه والسنة أُطفئت في غالب القرى والأمصار، والبدع حلّت مكان السنن عند جل العباد، والأحكام الإلهية غيرت واستبدلت بالأحكام الوضعية.
والمعابد النصرانية موجودة في كثير من البلدان التي تدعي الإسلام وأي كفر أعظم من إقرار المعابد الوثنية في ديار الإسلام والسكوت عنها ومداهنة أصحابها بل يحصل من بعضهم منافحة عنها وحشفًا وسوء كيله يستدل بقوله تعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) فيفسر الآية بغير تفسيرها المأثور عن السلف وهذا افتراء على الله وإلحاد في آيات الله وتحريف للكلم عن مواضعه ..
والله لهؤلاء أخطر على الإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى. وبلية الإسلام منهم. فهم لا يبالون بما جرى على الإسلام إذا سلمت لهم مآكلهم ومشاربهم ومع ذلك تجد الكثير ممن يتسمى باسم الإسلام يوالي هؤلاء ويربط معهم علاقات تؤكد محبته لهم وتأييده لأفعالهم الشنيعة. بينما الواجب أن يطبق فيهم حكم الله (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي وقاتلوهم حتى لا يكون شرك في الأرض بل يكون الدين كله لله والعبادة له وحده لاشريك له ..
ولكن الولاء والبراء في هذا الزمان قد طوى بساطه وانطمست آثاره وسفت عليه السوافي. والولاء والبراء أصل من أصول العقيدة فلا دين إلا بولاء وبراء ومع ذلك قد أعرض عنه الكثير من أبناء هذا الزمان من علماء وطلبة علم فضلًا عن غيرهم من العوام ومن لا معرفة له بمدارك الأحكام ومن سبر أحوال الناس اليوم يعظم تعجبه من إهمالهم للولاء والبراء وتساهلهم في جانبه. بل هناك من الناس من لا يرفع به رأسًا ويتكلف الصعاب لتأويل الآيات والأحاديث المصرحة بوجوب الولاء والبراء وصرفها عن ظاهرها بدون دليل؟؟؟ ويتكلّف لها المحامل البعيدة اتباعًا للهوى وما ذاك إلا لأن الولاء والبراء شاق على النفوس ولا يصلح لأهل الرياسة والمناصب.
وقد أحسن القائل (إذا أردت أن تعلم محل الإسلام أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبوب الجوامع ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة) .
(1) رواه مسلم في"صحيحه": (2/ 133 - نووي) ، وأحمد في"مسنده": (2: 303 - 304) ، والترمذي (4: 422) ، وابن حبان في"صحيحه": (15/ 96) ، والفريابي في"صفة المنافقين": (رقم 104) ، والبغوي في"شرح السنة": (15/ 15) كلهم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه وقال الترمذي عقبه: (هذا حديث حسن صحيح) .