ولذلك فإنهم اشترطوا شروطًا للأخذ بالتأويل، منها ما هومحل اتفاق بينهم، ومنها ما فيه خلاف.
فلنذكر هذه الشروط بشئ من الإيجاز، والله نسأل العون والتوفيق:
الشرط الأول:
تحقيق التعارض وذلك بأن يكون كلا الدليلين صحيحًا. فالقرآن لا يعارضه حديث ضعيف، بل الحديث الضعيف من مرسل أوشاذ أومنكر لا يعارضه حديث صحيح الإسناد والمتن. فإذا ما حصل هذا التعارض الموهوم سقط الضعيف وبقي الصحيح القوي.
الشرط الثاني:
ألا يؤدي الجمع بالتأويل إلى بطلان نص من النصوص أوجزء منه. ومثاله في قوله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (المائدة:6) ، قرئت (أَرْجُلَكُمْ) بفتح اللآم و (أَرْجُلِكُمْ) بكسرها. فحمل الشيعة قراءة الكسر على العطف على (رُؤُوسِكُمْ) ، بمعنى أنه يجزئ مسح الرجل في الوضوء. وهذا الحمل فيه محظوران: الأول: أنه يهدر كل الأحاديث الموجبة لغسل الأرجل، وأصرحها حديث:"ويل للأعقاب من النار" (4) . الثاني: أنه باتفاق الناس لا يجب مسح جميع الرجل إلى الكعب فيكون قيد الكعب لا فائدة من إيراده، وهذا ما ينزه عنه كلام الله جل وعز (5)
الشرط الثالث:
أن يكون اللفظ المراد تأويله قابلًا للتأويل، بأن يكون محتملًا لذلك بوضعه اللغوي ولواحتمالًا بعيدًا. واللفظ القابل للتأويل هوالظاهر والنص عند أصحاب أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وهوالظاهر عند غيرهم.
مثال ذلك قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) (البقرة: 228) . فالمطلقات لفظ عام يتناول الزوجة المدخول بها والصغيرة والمحتاضة والآيسة والحامل وغيرها. والأصل أن العام يشمل كل أفراده لكن جاءت نصوص صرفت هذا العموم عن ذلك ومنها قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) (الأحزاب: 49) . فخرج بهذا النص الزوجة الغير مدخول بها.