فأفاد كلامه هذا، ومثله ما ذكره الإمام أبوحامد الغزالي في «المستصفى» (ص.197 من طبعة الكتب العلمية) أن حمل النص على غير الظاهر إذا كان لدليل استدعى ذلك - وهوالقرينة المرجحة - كان التأويل صحيحًا لا شئ فيه، بل في بعض الحالات يصبح ضروريًا لا محيد عنه.
أما إذا كان لدليل ضعيف لا يظهر له وجه فهوضعيف إذ لا يلجأ الفقيه إلى عدم الأخذ بظاهر نص إلاَّ لدليل قوي يحوجه إلى ذلك. أمّا إذا كان لا لدليل فهوهوىً، وقد اشتد نكير أهل العلم على أهل الأهواء لأن فعلهم دهليز إلى الكفر.
هذا، وإن الأصوليين والفقهاء بعدما اتفقوا على وجوب الجمع والتأويل بين الأدلة المختلفة في بادئ الرأي اختلفت اتجاهاتهم في مقدار الأخذ بذلك والرفض له، فمنهم المتساهل الذي يقبل كل أنواع الجمع ولوبتأويل بعيد، ومنهم المتشدد فلا يقبل إلاَّ التأويل القريب، وله في ذلك شروط كثيرة لقبوله، ومنهم المتوسط بين ذلك. فتبين أنهم ثلاثة اتجاهات:
الأول: وهوالمتساهل؛ وهذا مذهب جماعة من أهل الحديث، ومنهم الظاهرية، وحجتهم في ذلك هوأنه لا تعارض في نصوص الشرع مع وجوب الأخذ بها كلها دون إهدار شئ منها. فإذا لم يكن أمامهم إلاَّ التأويل البعيد سلكوه بشرط ألاَّ يكون بحيث يخرج به الأدلة المتوافقة عن روح الشرع، ولا يكون خارقًا لإجماع الأمة.
الثاني: المتشدد في ذلك؛ وهومذهب أهل الرأي ومنهم الأحناف، وبعض الشافعية والإمام مالك - رحمه الله تعالى - وبعض أصحاب الحديث.
وهذا جعلهم يردون أحاديث كثيرة صحيحة لأنها خالفت في نظرهم نصوصًا قطعية من قرآن أوسنة متواثرة أوقياس أوعمل أهل المدينة الذي هومن أصول مالك - رحمه الله تعالى - إلى غير ذلك.
الثالث: المتوسط في الأخذ بالتأويل؛ وهذا مذهب الجمهور من المفسرين والمحدثين وجمهور الشافعية والحنابلة وبعض الظاهرية. فلم يرفضوا جميع التأويلات القريبة والبعيدة، ولم يقبلوا كل ذلك بلا قيد ولا شرط، بل قبلوا ما كان صحيحًا متلائمًا مع روح الشرع، ورفضوا الباطل غير المتوافق مع ذلك.