ثم قال الشيخ: وهذا مما دخل به الغلط على طوائف بل الواجب أن تُعرف اللغة والعادة والعُرْف الذي نزل في القرآن والسنة وما كان الصحابة يفهمون من الرسول عند سماع تلك الألفاظ، فبتلك اللغة والعادة والعُرْف خاطبهم الله ورسوله لا بما حدث بعد ذلك [1] . انتهى.
فقد ظهر الآن أن الخلود والتأبيد إنما هو أدلّة تعذيب الكفار ومكثهم الطويل في النار وهذا لاجدال فيه وإنما المطلوب أدلّة دوام النار نفسها بدوام الله فهذا الذي لا دليل عليه من الكتاب والسنة وهو المراد وهو المطلوب وهو موْرد النزاع وهو الذي لا يقدر أحد أن يأتي بدليل عليه، ولذلك يلجأ المنازع إلى أدلة تعذيب الكفار الذي هو مُسَلَّم من الجانبين لا نزاع فيه ومُنكره كافره، والعرب تُسمّي الأثافي التي يوضع عليها القِدر وعادةً تكون ثلاثة أحجار يُسموّنها: خَوَالد، لبقائها بعد أهلها مدة طويلة مع أنها في النهاية تزول لكن سموّها بهذا الاسم لأجل بقائها مدة بعد رحيل القوم، كذلك يقال: سجنُ مؤبّد وقيْد مخلّد والمقصود في ذلك بيان طول المدة لأن السجين قد يخرج وإلا فهو حتمًا ينقضي عمره ويموت وليس إلى مالا نهاية. وذكر الخلود والتأبيد في كلام العرب كثير ويريدون به المكث الطويل لا عدم النهاية.
ثالثًا: قد تبيّن أن الخلود والتأبيد معناه المكث الطويل فهل يكون مكث أهل الجنة فيها كمكث أهل النار فيها لأنه كما جاء ذكر الخلود والتأبيد لأهل النار جاء كذلك لأهل الجنة؟.
الجواب: صحيح أنه ورد ذكر الخلود والتأبيد لأنه الجنة لكن ليس ذلك هو الدليل وحده على دوام الجنة وبقاء أهلها حتى يُساوى بين الأمرين:
فأولًا: الجنة مُوجب الفضل والنار موجب العدل والمساواة بين الفضل والعدل تنقّص لرب العالمين.
(1) مجموعة الفتاوى 7/ 108.