فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 25

المعاصي والظلم، وهم متلبسون بما هو أعظم منه بأضعاف مضاعفة، فتفطن العلماء والناس لذلك [1] .

فإذا اختلف الناس في أي نوع من أنواع الجهاد يمكن إدخال قتال التتار، وابن تيمية رحمه الله تعالى احتاج أولا إلى إخراج نوع قتال الخوارج من زمرة البغاة، فإن عامة كتب الفقه المبوبة على طريقة المتأخرين قد عدت قتال الخوارج من نوع قتال البغاة، بل حتى صار معنى الخوارج عندهم: من خرجوا على الإمام العدل، وقد شرح ابن تيمية أولا خطأ هذا التبويب وهذا التقسيم، ثم سمى قتالهم نوعا آخر -قتال الممتنعين عن الشرائع- وقد أدخل فيه رحمه الله قتال الخوارج وقتال مانعي الزكاة [2] ، وهو نمط إذا تعامل الناس معه بإطلاق سيفسد الكثير من التفصيلات في أحكام قتال كل طائفة، فالخوارج يقاتلون قتال أهل التأويل المسلمين كما هو معلوم، ومانعوا الزكاة قاتلهم الصحابة رضي الله عنهم قتال المرتدين، فعلم أن زمرة الممتنعين عن الشريعة لا تعني تفسير نوع القتال بمقدار أن تحل إشكالا حصل زمن ابن تيمية في قتال التتار ولذلك من حمل معنى الممتنعين عن الشريعة أنهم كفار مطلقا فقد أخطأ وهو مثل خطأ من حمله على أنهم ليسوا كفارا مطلقا ... والله أعلم.

نموذج جناية عدم فهم القواعد الفقهية على الشريعة الإلهية:

القاعدة الفقهية: هي حكم كلّي ينطبق على جزئياته ليتعرف أحكامه منه [3] .

وقد حاول المتأخرون وضع الشريعة في قواعد محددة تسهل حل المشكلات، وقد وصلت جهود بعضهم إلى جمعها في سبع عشرة قاعدة كما ذكر ابن نجيم الحنفي في"الأشباه والنظائر" [4] ، ومع تقييدات هؤلاء العلماء من قولهم إن هذه القواعد أكثرية لا جزئية وأنه لا يجوز الفتوى بما تقتضيه القواعد والضوابط لأنها ليست كلية بل أغلبية [5] ، إلا أنهم مع ذلك قالوا: إن هذه القواعد ترد إليها فروع الأحكام، وبها يرتقي الفقيه إلى درجة الإجتهاد.

وبهذا العمل زهد الناس في السنة النبوية الشريفة، فلماذا حفظ مئات وألوف الأحاديث، والمسألة أسهل من ذلك: حفظ سبع عشرة قاعدة فقط، بل يرتقي المرء إلى مرتبة الإجتهاد، وكانت النتيجة بعد ذلك هو جعل القواعد الفقهية المصدر الوحيد عند بعضهم للإجتهاد والفتوى، وما هذا الذي نسمعه اليوم من القول باعتماد المصالح كمصدر من مصادر الشريعة إلا نتيجة لاتخاذ قاعدة (المشقة تجلب التيسير) لاسقاط أي حكم شرعي يشعر المرء بأنه مشقة عليه [6] .

وفعلهم هذا جرأ الجهلة وغمار الناس بالفتوى والقول على الله بغير علم، فصار المرء يكفيه أن يفهم روح الشريعة والدين ويفهم مقاصدهما حتى يقول ما يريد ويفتي كما يحب، وينسب ذلك كله لشرع الله ودينه.

(1) البداية والنهاية14/ 24.

(2) انظر مجموع الفتاوى28/ 502 - 503.

(3) التلويح على التوضيح1/ 20.

(4) الاشباه والنظائر ص15

(5) نقلا عن القواعد الفقهية لعلي النّدوي ص293 وانظر التفصيل هنال لرد هذه الطريقة في الإستدلال.

(6) ولعل الدكتور/ صلاح الصاوي والشيخ/ يوسف القرضاوي هما من أجلى النماذج في عصرنا هذا بالإعراض عن السنن والفتوى بالقواعد الفقهية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت