فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 25

"الإيمان الكبير"فارجع إليهما لأهمّيّتهما في هذا الباب، ثمّ توسّع في ذلك توسّعا رائعا لا مزيد فوقه الشّيخ الدّكتور/ سفر الحوالي -فكّ الله أسره من سجون طواغيت آل سعود- في كتابه"ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي".

نموذج لجناية الزّمر الفقهيّة والعقديّة المخطئة على الشّريعة:

حين رتّب الفقهاء الشّريعة على تقسيم: العبادات والمعاملات والأخلاق، والعقائد، ماذا كانت النّتيجة؟ بلا شكّ أنّها مفسدة للشّريعة، وهو إفساد نرى آثاره في حاضرنا، لأنّه في زمننا وصلت الآثار إلى أقصى ما يمكن أن تصل إليه، فالمعاملات ليست من العبادات، فهذا له حكمه وقاعدته، وهذا له حكمه وقاعدته الأخرى، والعقائد غير الأحكام الفرعيّة فهذه لها قواعدها ومظانّها، وهذه لها قواعدها ومظانّها المختلفة، وكذلك العقائد يقينيّة!! والأحكام ظنيّة!! يقول ابن تيمية في كتاب"الإستقامة":- فصل مهمّ عظيم في هذا الباب: وذلك أنّ طوائف كبيرة من أهل الكلام من المعتزلة -وهو أصل في هذا الباب- ... ومن اتّبعهم من الفقهاء يعظّمون أمر الكلام الذي يسمّونه أصل الدين، حتّى يجعلون مسائله قطعيّة، ويوهنون من أمر الفقه الذي هو معرفة أحكام الأفعال، حتى يجعلوه من باب الظّنون لا العلوم، وقد رتّبوا على ذلك أصولا انتشرت في النّاس حتّى دخل فيها طوائف من الفقهاء والصّوفية وأهل الحديث لايعلمون أصلها ولا ما تؤول إليه من المفاسد مع أنّ هذه الأصول التي ادّعوها في ذلك باطلة واهية، .. ذلك أنّهم لم يجعلوا لله في الأحكام حكما معيّنا، حتّى ينقسم المجتهد إلى مصيب ومخطئ، بل الحكم في حقّ كلّ شخص ما أدى إليه اجتهاده، وقد بيّنا في غير هذا الموضع ما في هذا من السّفسطة والزّندقة، فلم يجعلوا لله حكما في موارد الإجتهاد أصلا، ولا جعلوا له على ذلك دليلا أصلا ... ومن فروع ذلك أنّهم يزعمون أنّ ما تكلّموا فيه من مسائل الكلام هي مسائل قطعيّة يقينيّة [1] .

وانظر ما أدت إليه محاولات البعض من تقسيم نمطي للشريعة من فقه غريب لا يمت إلى فقه السلف في شيء، وذلك في تقسسيم الدين إلى ثوابت ومتغيرات، والكل يحاول توسيع دائرة المتغيرات ليعطوا مساحة واسعة لدخول الإجتهادات الجديدة المخالفة لمواقف السلف، ولم يفلح أحد في وضع خط علمي موضوعي فاصل بينهما، بل هي الذاتية والنسبية والإعتبارية.

مثال آخر لهذه الجناية:

حين غزا التّتار بلاد المسلمين ووصلت هجمتهم بقيادة قازان بلاد الشام، وكانوا قد أعلنوا إسلامهم على المذهب الشيعي قبل ذلك، وقازان معه إمام ومؤذن، فلما قارب شرهم دمشق وقلعتها طرح الناس مسألة قتالهم، وتحت أي قسم من أقسام الجهاد وتبويباته -التي درج الفقهاء على تقسيمها في هذا الباب- يقاتل هؤلاء التتار .. ولندع ابن كثير يحدثنا عن هذه المشكلة التي واجهت الناس يومذاك:

قال رحمه الله:- وقد تكلم الناس في كيفية قتال هؤلاء التتر من أي قبيل هو؟ فإنهم يظهرون الإسلام، وليسوا بغاة على الإمام، فإنهم لم يكونوا في طاعته في وقت ثم خالفوه، فقال الشيخ تقي الدين: هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على عليّ ومعاوية، ورأوا أنهم أحق بالأمر منهما، وهؤلاء يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق من المسلمين، ويعيبون على المسلمين ما هم متلبسون به من

(1) الإستقامة ص47 وما بعدها/120، واقرأ ما بعدها فإنه مهم جدًا لشرح خطأ هذه النمطية وأن نتيجتها الزندقة وتدمير الشرعية وما قاله شيخ الإسلام في النتائج هو ما نراه اليوم بأجلى صوره وأوضحها، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت