الصفحة 83 من 131

يتلفت المجاهد؛ فيرى الدنيا كلها قد جُمعت في صعيد، فرشقته بسهام العداوة ونصبت له أحابيل المكر والكيد وهي تتميز غيظًا، وتتلمظ طمعًا في إهراق دمه والبطش به؛ فيستصرخ أمة المجد الغابر، ويستغيث أهل المروءات المنسية، ويستحث السادرين، فلا يجيبه إلا أفراد قلائل من هنا أو هناك، فيتساءل من أعماق قلبه؛ يارب أين أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟!

والمفزع حقًا؛ أنّ كثيرًا من هؤلاء لم يكفه خذلانه للمجاهدين وقعوده عن نصرتهم، ونكوله عن فريضة الوقت وواجب الزمان، حتى أطلق سلط لسانه في أعراض المجاهدين، ورماهم بكل نقيصة تنفيرًا منهم، وتحذيرًا من سبيلهم، فكانوا كما قال الله تعالى: {قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلُم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا * أشحةً عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يُغشي عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرًا} .

لقد عاب الله على أهل الإيمان - فيما مضى - تعليمًا لهم، ووعظهم فشدد النكير عليهم، فقال تعالى: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالًا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم} ، أي فيكم من يستمعون إليهم ويحسنون الظن بهم، فيتأثرون بكلامهم ويتفاعلون مع أخبارهم، وهذا الأمر ساقه الله مساق الذم، وأورده مورد التحذير والتنفير.

هذه الصورة تتكرر والقصة تعاد في كل وقت وحين، فأين من يحسنون الفقه عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويتعلمون من قوارع القرآن وإعجازه؟

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال عن مؤمن ما ليس فيه؛ حبس في ردغة الخبار حتى يأتي بالمخرج مما قال) - أو كما قال عليه الصلاة والسلام -

إن هناك حربًا ضروسًا تدور رحاها في قلب كل مؤمن، وفؤاد كل موحد، لتنزع منه نور التوحيد وحقيقة"لا إله إلا الله"، وليكون من بعد مطية للكفار في حربهم لهذا الدين ... الحرب الإعلامية أفتك أثرًا وأعظم خطرًا، لأنها تروم القلوب والعقول، وتستهدف العقيدة والمبدأ.

ويحضرني هنا قول بعض الخبراء في هذه الأيام حين قال: (لو خُيرت الدول الكبرى بين ترسانتها النووية وأسلحتها الفتاكة وعتادها التقليدي وغير التقليدي، وبين وكالات الأنباء، لاختارت الثانية) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت