ولذلك تفضل الله سبحانه على الملائكة بان اوضح لهم السر واكمل علمهم ببيان الحكمة في هذا الخلق فأودع في نفس آدم وفطرته علم جميع الاشياء من غير تحديد ولا تعيين الامر الذي جعل لآدم امتيازًا خاصًا استحق به الخلافة عن الله في الارض.
ويظهر هذا الامتياز حين نقارن بين الانسان وبين المخلوقات للّه سبحانه فقد نطق الوحي ودل العيان والاختيار على ان الله تعالى خلق العالم انواعًا مختلفة وخص كل نوع منها بقدرات ومواهب. ولكن الانسان مع ذلك يختلف عنها في ان لما منحه الله من قدرات ومواهب ليست لها حدود معينة لا يتعداها على خلاف بقية المخلوقات.
فالملائكة - الذي لا نتمكن من معرفة حقيقتهم الا عن طريق الوحي - لهم وظائف محدودة - كما دلت الآيات والاحاديث - فهم يسبحون الله ليلًا ونهارًا وهم صافون ويفعلون ما يؤمرون الى غير ذلك من الاعمال المحدودة.
وما نعرفه بالنظر والاختيار عن حال الحيوان والنبات والجماد فانها بين ما يكون لا علم له ولا عمل كالجماد. او يكون له عمل معين يختص به نفسه دون ان يكون له علم او ارادة. ولو فرض ان له علمًا او ارادة فهما لا أثر لهما في جعل عملهما مبنيًا لحكم اللّه وسنته في الخلق ولا وسيلة لبيان احكامه وتنفيذها.
فكل حي من الاحياء المحسوسة والغيبية - عدا الانسان - له استعداد محدود وعلم الهامي محدود وعمل محدود وما كان كذلك لا يصلح ان يكون خليفة عن الذي لا حد لعلمه وارادته.
واما الانسان فقد خلقه الله ضعيفًا وجاهلًا ولكنه على ضعفه وجهله يتصرف في الاقوياء ويعلم جميع الاسماء بما وهبه اللّه من قدرة على النمو والتطور التدريجي في احساسه ومشاعره وادراكه فيكون له السلطة على هذه الكائنات يسخرها ثم يذللها بعد ذلك كما تشاء قوته الغريبة التي يسمونها العقل ولا يعرفون حقيقتها ولا يدركون كنهها. فهذه القوة نجدها تغني الانسان عن كل ما وهب الله للحيوان في اصل الفطرة والالهام من الكساء والغذاء والاعضاء.
فالانسان بهذه القوة غير محدود الاستعداد ولا محدود الرغائب ولا محدود العلم ولا محدود العمل.