عاش ستةً وأربعين عامًا .. وستة أشهر .. بين أحضانها ..
وها هي الآن تلمسه بيدها .. اللمسة الأخيرة .. !
هكذا الحياة ..
وأمي تفعل الفعل ذاته ..
وتدور حوله .. في ضيق حيلة .. وذهول ..
أقصى شيء يستطيعه الواقف في هذا الموقف ..
إيهِ .. يا دنيا ..
كانت أمارات حسن الخاتمة ظاهرةً جليةً عليه .. رأسه مائلٌ لليمين .. مع أنهم كانوا قد أمالوه لليسار حين كانت الأجهزة عليه ..
لكن فور رفعها عنه .. مال لليمين .. !
وجهه مُضيء .. وجلده مُنشدّ ..
أسنانه ظاهره .. في ابتسامةٍ خفيفة ..
يده اليمنى رافعةٌ للسبابة ..
وعظامه لينة .. كأنه نائم .. وفي راحة تامة ..
ألا يحق لي الصبر؟!
بل والفخر؟!!
وأشد من ذلك الفرح؟!!
جمعنا الله به في جنان الفردوس الأعلى من الجنة ..
استبشرنا كثيرًا لهذه الخاتمة الحسنة .. وهذا من أعظم ما يعزينا بفقده ..
عدنا أدراجنا .. لنتركه في المشفى ..
يُقلبونه بأيديهم .. ويُدخلونه ثلاجتهم .. بلا حول ولا قوة له .. !
شيعنا أعمامي .. عند خروجنا ..
ولا زلت أذكر قبضة يمين عمي يوسف على يدي اليسرى ..
وهو يصبرني .. ويذكُر خيرًا كثيرًا مُفرحًا عن والدي رحمه الله ..
ويبشرني بأن الأطباء أخبروه بأن والدي قبل أن ينام نومته الأخيرة ..
نطق الشهادة .. لك اللهم الحمد كله ..
وخالتي نورة .. عن يميني .. تقوم بدورها هي الأخرى ..
كأني بكم ترونه موقفًا بسيطًا لا يحتمل الذكر ..