من هنا جاء الحث على السباق إلى الآخرة بقوله تعالى: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) .
السباق الحقيقي هو التسابق إلى الخيرات وبذل المعروف والعطاء وإحقاق دعوة الأنبياء الداعية إلى الحق والعدل، والتكالب على الدنيا يكبل الإنسان ويقعد به عن السير نحو مضمار السباق الآخروي. فالعمر محدود والأجل محتوم والفرصة يسيرة محدودة وهي قصيرة وإن طالت أيامها.
وتنتقل الآيات لتنبه الإنسان إلى ضرورة اللحاق بركب المتسابقين وألا تعيق حركته وسيره المصائب والمحن التي يمر بها في الحياة: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور) .
أفراح الدنيا وأتراحها لا ينبغي أن تستغرق اهتمام الإنسان و تشغله عن سيره نحو الآخرة. فالفرح الشديد بإقبال الدنيا على الإنسان محض امتحان وابتلاء قد يقوده نحو الإختيال والفخر والإغترار كما أن الحزن والاسى الشديد على مافات ووقع من أمور، يعيق حركته والقيام بدوره على الأرض.
وكلا التوجهين يقود إلى البخل وزيادة الحرص والتكالب على الدنيا ولذلك جاءت الآية التي تليها: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) . فالذي يرى أن ما أنعم الله به عليه وما فتح عليه من أموال الدنيا إنما جاء من لدن نفسه، يندفع نحو الاختيال والغرور والبخل والنكوص عن دعوة الأنبياء القائمة على العدل والحق.
وفي المقابل هناك حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن الأذهان في خضم الانشغال بالدنيا، مهمة الإنسان ودوره في الأرض التي جاءت بتحديدها دعوة الرسل والأنبياء: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ. ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) .
مهمة الإنسان وفق دعوة الأنبياء تتمثل في إقامة العدل وتحقيق الحق (ليقوم الناس بالقسط) . ولا يمكن أن تُحقق الدعوة في واقع الحياة إلا بقوة معنوية ومادية. القوة المعنوية هي التي تحملها القلوب العائدة إلى ربها عز وجل المسبِّحة لخالقها سبحانه وتعالى، والقوة المادية هي التي جاء ذكرها في قوله عز وجل (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) .
ثم ختمت الآيات (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) لتذكر المؤمنين بمعنى الاختبار والابتلاء في مواقفها ونصرتها للحق. فالله سبحانه وتعالى يحثهم في الآية على نصرة ما دعا إليه ورسله والله قوي عزيز. وفي المقابل فهناك دائما من يختار طريقا غير الحق (فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون) .
وتوضح الآيات في ترابط فريد أن تحقيق دعوة الأنبياء ونصرتها لا يحدث من خلال العزلة عن المجتمع في صومعة والانقطاع عنه وإنما تنتصر بمكابدة أحوال الناس والمجتمع وتصحيح الخطأ، ولذا جاء النهي عن هذا المنحي الانعزالي في سياق الآيات: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) .
إلا أن الله سبحانه الرؤوف الرحيم الذي يكافئ بالإحسان إحسانًا ما منع هؤلاء من أهل الكتاب من الرهبان من أن يوفيهم حقوقهم ولذا قال: (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) .